الراوي
«ليست كل الحكايات للتسلية… بعضها مرآة، نرى فيها ما لا نحب أن نراه».
مع بداية كل عام دراسى جديد، لا تفتح المدارس والجامعات أبوابها للطلاب فقط، بل تفتح معها أبوابًا كثيرة فى ذاكرة المجتمع. يعود الزحام إلى الشوارع، وتمتلئ المواصلات بالوجوه الصغيرة والكبيرة، وتعود الأمهات إلى معركة الصباح اليومية، ويستعيد المدرسون مقاعدهم وأقلامهم ودفاترهم، وكأن الوطن كله يضبط ساعته على موعد واحد اسمه: بداية الدراسة.
لكن الراوى يرى فى المشهد شيئًا أبعد من حقائب جديدة وملابس مدرسية ودفاتر لم تُكتب صفحاتها بعد؛ يرى فرصة جديدة لكى نسأل أنفسنا: ماذا نريد أن نعلَّم أبناءنا؟ وهل يكفى أن نملأ عقولهم بالمعلومات، بينما نترك أخلاقهم وقدراتهم على التفكير والحوار والمسئولية خارج المنهج؟!
العام الدراسى ليس مجرد سلسلة من المحاضرات والحصص والامتحانات؛ إنه رحلة طويلة يتشكل خلالها الإنسان قبل أن يتشكل الطالب، ففى المدرسة والجامعة يتعلم الشاب كيف يختلف دون أن يخاصم، وكيف ينجح دون أن يطأ بأقدامه الآخرين، وكيف يحترم الوقت، ويحافظ على المكان، ويتحمل مسئولية قراراته، ويدرك أن الشهادة وحدها لا تصنع إنسانًا ناجحًا.
وإذا كان الطالب هو بطل المشهد، فإن المعلم يظل أحد أهم صانعى تفاصيله. فالمعلم لا يدخل الفصل حاملًا كتابًا فقط، وإنما يدخل حاملًا أثرًا قد يبقى فى ذاكرة الطالب سنوات طويلة. كلمة تشجيع قد تعيد الثقة إلى طالب فقدها، ونظرة اهتمام قد تفتح أمام آخر بابًا كان يظنه مغلقًا، بينما كلمة قاسية بلا داعٍ قد تترك جرحًا لا يظهر فى دفتر الدرجات.
وفى الجامعات تحديدًا، تبدو المسئولية أكبر؛ لأننا لا نعدّ طالبًا لامتحان قادم فقط؛ وإنما نعدّه لسوق عمل يتغير بسرعة، ولعالم لم تعد فيه المعرفة وحدها كافية. أصبح المطلوب خريجًا يمتلك مهارات التواصل، والقدرة على التفكير النقدي، والعمل الجماعي، واستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى بصورة واعية، إلى جانب امتلاكه قدرًا حقيقيًا من الانضباط والمسئولية.
والأسرة أيضًا شريك أساسى فى هذه الرحلة. فليست كل مشكلة دراسية سببها الطالب، وليست كل درجة مرتفعة دليلًا على نجاح حقيقي. أحيانًا يحتاج الأب أو الأم إلى أن يسألا أبناءهما: «ماذا تعلمت اليوم؟» أكثر من سؤالهما: «جبت كام؟». فالدرجات تقيس جزءًا من الرحلة، لكنها لا تقيس وحدها شخصية الإنسان أو قدرته على مواجهة الحياة.
ومع أول جرس، أو أول محاضرة، يبدأ عام جديد يحمل معه أحلامًا كثيرة. بعض الطلاب سيكتشفون مواهبهم، وبعضهم سيتعثر، وآخرون سيغيرون أحلامهم تمامًا. والمهم ألا نعامل التعثر بوصفه نهاية الطريق، بل بكونه جزءًا طبيعيًا من رحلة التعلم.
وفى نهاية الحكاية، إن أجمل ما فى بداية العام الدراسى أنها تمنح الجميع فرصة للبدء من جديد؛ طالبًا يبحث عن حلم، ومعلمًا يبحث عن أثر، وأسرة تبحث عن مستقبل أفضل لأبنائها. وبينما تتجه الأقدام إلى المدارس والجامعات، يبقى السؤال الحقيقي: هل سنخرج من هذا العام بمزيد من الشهادات فقط، أم بمزيد من الإنسان؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض