رسوم قضائية تبدأ ب 500 جنيه وتصل إلى 2500:
العدالة لمن استطاع إليها سبيلًا
إن لم تكن العدالة ناجزة.. فعلى الدنيا السلام، مقولة تختصر أهمية أن يجد صاحب الحق طريقا ميسرًا للوصول للقضاء، لكن ماذا يحدث عندما تصبح رحلة الحصول على الحق محملة بالرسوم فى كل خطوة؟ سؤال يتردد على ألسنة الجميع بعدما أعلنت وزارة العدل خلال الأيام القليلة الماضية عن رسوم خدمات منصة التقاضي الجنائي عن بُعد، والتى أثارت جدلًا واسعًا بين المحامين والخبراء، بعدما تضمنت مبالغ مقابل بعض الخدمات الرقمية، وسط مخاوف من انتقال هذه التكلفة في النهاية إلى المتقاضين.
وبحسب الرسوم المعلنة على منصة وزارة العدل، تبلغ قيمة الاشتراك السنوي للمحامي على المنظومة 500 جنيه، فيما تصل خدمة حضور جلسة الجنايات عن بُعد إلى 500 جنيه، و100 جنيه لحضور جلسة تجديد الحبس، إلى جانب 10 جنيهات مقابل تصوير كل صفحة من ملفات الجلسات والدعاوى، و5 جنيهات للرسالة الخاصة بتحديثات القرارات، مع إتاحة باقة رسائل بقيمة 2500 جنيه.
وأكدت وزارة العدل أن استخدام خدمات المنصة اختياري، وأن المقابل المالي مرتبط بالخدمات الرقمية التي تقدمها، بينما يظل الاستعلام عن مواعيد الجلسات متاحًا مجانًا، وتستهدف المنظومة تقليل الوقت والجهد ومصاريف الانتقال.
تراكم المصروفات
لكن في المقابل، يرى محامون وخبراء قانون أن السؤال لا يتعلق فقط بقيمة كل خدمة على حدة، وإنما بمدى تأثير تراكم هذه المصروفات على قدرة المواطن، وخاصة محدود الدخل، على الاستمرار في إجراءات التقاضي.
عضو مجلس نقابة المحامين: الرسوم الباهظة قد تقضي على العدالة.. وتفتح الباب لـ"شريعة الغاب"
وتعليقًا على هذا قال محمد راضي مسعود، عضو مجلس نقابة المحامين، إن النقابة ترفض الرسوم القضائية الباهظة التي تم فرضها، مؤكداً أن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى عبء مالي يحول دون وصول المواطنين إلى حقوقهم.
وأوضح مسعود أن نقابة المحامين سبق أن طالبت وزارة العدل بالتريث في فرض مثل هذه الرسوم، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف التقاضي أصبح يمثل عبئاً كبيراً على المحامين والمتقاضين على حد سواء.
وأضاف أن بعض الرسوم أصبحت، من وجهة نظره، مبالغاً فيها إلى حد كبير، قائلاً إن المحامي عندما يضطر إلى دفع مبالغ عن كل ورقة أو مستند يقدم في الدعوى، فإن الأمر يتحول إلى عائق أمام إقامة الدعاوى ومتابعتها.
وتابع أن المحامي لا يستطيع تحميل موكله أعباء مالية متزايدة دون حدود، خاصة أن كثيراً من المتقاضين من أصحاب الدخول المحدودة.
وأشار عضو مجلس نقابة المحامين إلى أن الأمر لم يتوقف عند الرسوم المرتبطة بإجراءات التقاضي، بل امتد أيضاً إلى المنظومة الإلكترونية، موضحاً أن تسجيل المحامي على المنظومة التابعة لوزارة العدل أصبح يتطلب دفع رسوم، إلى جانب الرسوم التي يتم سدادها عند رفع الدعوى أو تقديم المستندات.
وأكد أن تراكم هذه المصروفات قد يدفع بعض المواطنين إلى التراجع عن المطالبة بحقوقهم، قائلاً إن المواطن قد يجد نفسه أمام معادلة صعبة: إنفاق مبالغ تفوق قيمة الحق الذي يسعى للحصول عليه، وهو ما قد يدفعه في النهاية إلى التخلي عن الدعوى.
وحذر مسعود من أن استمرار ارتفاع تكلفة التقاضي قد يؤدي إلى آثار اجتماعية خطيرة، قائلاً إن المواطن إذا لم يجد طريقاً ميسراً إلى القضاء للحصول على حقه، فقد يلجأ إلى الحصول عليه بطرق أخرى، وهو ما وصفه بخطر العودة إلى «شريعة الغاب».
وفيما يتعلق بخطوات نقابة المحامين، أكد مسعود أن النقابة تواصل رفع صوتها إلى المسؤولين، وفي مقدمتهم وزير العدل ومساعدوه والنائب العام، للمطالبة بالحد من الرسوم التي وصفها بأنها مجحفة بحقوق المتقاضين والمحامين.
وشدد على أن النقابة تتمسك بالطرق القانونية في اعتراضها، ولا تسعى إلى التصعيد، مشيراً إلى وجود أحكام قضائية صادرة من محكمة القضاء الإداري بشأن الرسوم محل الاعتراض، وأن هناك أحكاماً قضائية أبطلَت فرض بعض هذه الرسوم، معتبراً أن عدم تنفيذ الأحكام يمثل إشكالية تستوجب التوقف أمامها.
واختتم عضو مجلس نقابة المحامين حديثه بالتأكيد على ضرورة أن تظل العدالة متاحة وميسرة أمام المواطنين، محذراً من أن تحويل التقاضي إلى عملية مرهقة ومكلفة قد يضعف ثقة المواطنين في قدرتهم على الوصول إلى حقوقهم عبر القضاء، قائلاً: «إذا فسد الملح، فمن يصلح الملح؟».

شبهة عدم الدستورية
أستاذ قانون: الرسوم القضائية لا تُفرض إلا بقانون.. وشبهة عدم الدستورية تلاحقها
من جانبه قال الدكتور جمال جبريل، أستاذ القانون العام بكلية الحقوق والمحامي بالنقض، إن الأصل في الرسوم أنها تُفرض في مقابل خدمة محددة يحصل عليها الشخص، وهو ما يميزها عن الضريبة التي لا تكون في مقابل خدمة محددة ومباشرة.
وأوضح جبريل أن الرسوم، شأنها شأن الضرائب، لا يجوز فرضها إلا بناءً على قانون، مشيراً إلى أن تحديد طبيعة المقابل المالي المفروض على المتقاضي يعد أمراً مهماً في تقييم مدى مشروعيته ودستوريته.
وأضاف أن عدم دستورية الرسوم القضائية يمكن أن تثار في حال تحولت هذه الرسوم إلى عائق يحول دون قدرة الأشخاص على اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي والمطالبة بحقوقهم أمام القضاء.
وأشار أستاذ القانون العام إلى أن تقدير ما إذا كانت الرسوم قد بلغت حداً يمثل عائقاً أمام حق التقاضي هو أمر تختص به المحكمة الدستورية العليا، حال عرض الأمر عليها من خلال دعوى دستورية مستوفية لشروطها.
وأوضح أن الطعن بعدم الدستورية لا يُطرح بصورة مباشرة أمام المحكمة الدستورية العليا، وإنما يجب أن يأتي من خلال دعوى موضوعية منظورة أمام إحدى جهات القضاء، يتم خلالها إثارة الدفع بعدم دستورية النص محل النزاع، وفقاً للإجراءات المقررة قانوناً.

سند قانوني
وتتفق الدكتورة إلهام المهدي، المحامية، مع أهمية التفرقة بين الرسم والمقابل المالي للخدمة، مشيرة إلى أن الجدل الحالي يدور حول مدى وجود سند قانوني ودستوري للمبالغ المفروضة على بعض خدمات منصة المحامين
وأوضحت أن المادة (38) من الدستور المصري تنص بشكل قاطع على أنه لا يجوز إنشاء الرسوم العامة، أو تعديلها، أو إلغاؤها إلا بقانون يصدر عن السلطة التشريعية، وتكييف السلطة التنفيذية لهذه المبالغ على أنها «مقابل خدمات إلكترونية» بقرارات إدارية ينطوي على التفاف قانوني؛ إذ إن فرض مقابل مالي ملزم لمباشرة إجراءات التقاضي يتحول عمليًا إلى رسم قضائي مستتر يفتقر للغطاء التشريعي، مما يجعل هذه القرارات عرضة للطعن أمام القضاء الإداري لعدم الدستورية.
تختلف الرسوم القضائية، التي تُفرض بقانون لصالح الخزانة العامة، عن المقابل الخدمي الاختياري الذي يُفترض أن يغطي التكلفة الفعلية للخدمة التقنية دون استهداف الربح. وتتزايد المخاوف من أن تتحول هذه الأعباء الإضافية إلى عائق يستهدف أصل «حق التقاضي المكفول للجميع» بموجب المادة (97) من الدستور، حيث يُثقل كاهل المحامين والمتقاضين بأعباء تُنافي الغرض الأساسي من التحول الرقمي المتمثل في التيسير وتخفيض التكاليف.
وأضافت المهدى أن التطوير المستدام لمرفق العدالة يتطلب تدبير التمويل اللازم للبنية التحتية الرقمية من الموازنة العامة للدولة أو عبر الموارد الحالية للصناديق القضائية، دون تحميل أطراف الخصومة أعباء مالية جديدة، مع ضرورة التدخل التشريعي لوضع سقف محدد للخدمات الإلكترونية.
عائق أمام حق التقاضي
زكريا عبد المطلب: الرسوم أصبحت عائقًا أمام حق التقاضي.. واللجوء للجان العرفية هو البديل
أما زكريا عبد المطلب، المحامي بالنقض والخبير القانوني، فيرى أن فرض الرسوم القضائية بالشكل الحالي لا يتوافق مع المبادئ الدستورية التي تكفل حق المواطنين في اللجوء إلى القضاء، مؤكداً أن حق التقاضي يجب أن يكون متاحاً للجميع دون أن يتحول المقابل المالي إلى عبء يحول دون الوصول إلى العدالة.
وأوضح عبد المطلب أن الأصل أن يكون حق اللجوء إلى القضاء مكفولاً لجميع المواطنين، ولا يجوز أن تؤدي الرسوم والمصروفات المرتبطة بإقامة الدعاوى ومباشرتها إلى إرهاق المتقاضين أو منعهم من المطالبة بحقوقهم، خاصة أصحاب الدخول المحدودة.
وأشار الخبير القانوني إلى أن فرض الرسوم لا يمكن أن يتم بصورة منفردة، مؤكداً أن الرسوم لا يجوز فرضها إلا استناداً إلى قانون، باعتبار أن تنظيم الأعباء المالية المفروضة على المواطنين يجب أن يتم وفق الإطار القانوني والدستوري المقرر.
وأضاف أن الإشكالية لا تتعلق بمجرد وجود رسوم على الإجراءات القضائية، وإنما بمدى تأثير قيمتها وتعددها على قدرة المواطن على الوصول إلى القضاء، موضحاً أن الرسوم عندما تصبح مرتفعة إلى درجة تمثل عائقاً أمام المتقاضي، فإنها تثير تساؤلات جدية حول مدى توافقها مع حق التقاضي المكفول دستورياً.
وأكد عبد المطلب أن الوضع الحالي جعل الرسوم تمثل «عائقاً كبيراً» أمام اللجوء إلى القضاء، لافتاً إلى أن التأثير يكون أكثر وضوحاً على محدودي الدخل الذين قد يجدون أنفسهم أمام أعباء مالية تفوق قدرتهم على التحمل، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى التراجع عن اتخاذ الإجراءات القضائية اللازمة للحصول على حقوقهم.

اللجان العرفية أصابها الانحراف
وحذر المحامي بالنقض من أن استمرار ارتفاع تكلفة التقاضي قد يؤدي إلى اتجاه المواطنين للبحث عن طرق أخرى لحل النزاعات بعيداً عن ساحات المحاكم، مشيراً إلى أن هناك اتجاهاً حالياً لدى البعض نحو اللجوء إلى اللجان العرفية "الجلسات العرفية" لحل المشكلات بدلاً من سلوك الطريق القضائي.
وأشار إلى أن اللجان العرفية نفسها قد أصابها، بحسب تعبيره، نوع من الانحراف عن دورها، وهو ما يزيد من خطورة الاعتماد عليها كبديل عن القضاء الرسمي في حسم المنازعات.
وشدد عبد المطلب على أن ضمان وصول المواطنين إلى القضاء لا يرتبط فقط بوجود المحاكم والقوانين، وإنما أيضاً بقدرة المتقاضي على تحمل تكاليف إجراءات التقاضي، مؤكداً أن العدالة يجب أن تظل متاحة للجميع، وألا تتحول الرسوم إلى حاجز أمام أصحاب الحقوق، خصوصاً الفئات الأكثر محدودية في الدخل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض