رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

نستقبل بارتياح والرضا نبأ العفو عن الشاعر عبد الرحمن القرضاوي وإغلاق ملف اعتقاله  ، إذ إن عودة أي إنسان إلى حريته وأهله هي انتصار مبدئي للقيم الإنسانية التي نؤمن بها جميعًا.  ونرى في حرية الرأي حقًا أصيلًا لا يُسلب ولا يُساوم عليه، نجد أن هذا التوقيت المحمل بالفرج والانفراج هو الأنسب لمصارحة مخلصة ومراجعة هادئة تنطلق من الحرص والغيرة على نبل قضية الحرية نفسها.

فعلى الرغم من هذا الارتياح المخلص لخروجه، يظل من واجب الناقد والمنصف أن يقف وقفة عتاب تأملية أمام الأسلوب واللغة اللذين اعتمدهما عبد الرحمن القرضاوي في هجائه السياسي والذى تسبب له فى هذه الأزمة ، فقد تجاوز حدود النقد المقاوم المتعارف عليه ليقع في مطب استعمال تشبيهات وألفاظ مسفة وبذيئة، عزفنا عن نشر أمثلة منها  ،  حفظاً للحياء وحمايةً لوجه المروءة.

فهل يليق بالمعارض أن يستعين بتشبيهات وإسقاطات جنسية صادمة ينصّب فيها نفسه فاعلًا لعمل جنسى - شاذ- وصريح لتصفية حسابات سياسية ؟ فهل يحق لشاعر ومثقف يحمل إرثًا ثقافيًا أن يتفوه بمثل هذه العبارات التي تسيء إلى كيانه وفكره وشعره  وماذا جنى من هذا الأسلوب سوى أن جرّده تمامًا من أدواته وأخرجه من حلبة التأثير، بعدما كان بمقدوره أن يظل صوتًا شعريًا حاضراً في الوجدان والإعلام، تستقبل أشعاره وأقواله بالحفاوة والتأثير، ويؤدي رسالته الأصيلة في التصدي للظلم والانتصار للحرية بعزة ووقار.

ونحن إذ نطرح هذا الرأي، نعرف تمامًا أن هذا الكلام لن يروق لبعض الذين يبررون هذا الأسلوب مهما كان انحداره، وهو في تقديري خطأ كبير، إذ الجدير بنا جميعًا أن نجعل بوصلتنا كتاب الله وسنة رسوله، فهل نجد في القرآن الكريم أو الهدي النبوي الشريف أى استخدام للبذاءة - والعياذ بالله - حتى في مقام وصف الكافرين ومواجهة أعتى الخصوم؟ إن الغاية لا تبرر البذاءة بحال من الأحوال، فهى لم تكن يومًا نصرةً لصاحبها بل هي خصيم له ، تضر قضيته ولا تفيده، وتُذهب عن موقفه نبل التعاطف بدلًا من أن تجلبه.

إن الأسلوب الفاحش لا يخدم القضية العادلة أبدًا، بل يُفرغها من محتواها الأخلاقي والجمالي، ويمنح الخصوم أسلحة إعلامية يُوظفونها لتشويه رمزية النضال أمام الجماهير وتقديم أصحاب المبادئ في صورة تتنافى مع الوقار والترفع. ليس منطقياً أن تتحول المعارضة إلى  مبارزة بالشتائم البذيئة ، فهى صراع قيم وبلاغة وفكرة ناصعة تستمد قوتها من طهارتها وعفتها ونبل أساليبها، لأن الوسيلة من جنس الغاية.

وقد كان الامتناع عن توجيه هذا النقد خلال فترة اعتقال عبد الرحمن القرضاوي موقفًا مراعياً للظرف الذى يمر به ، وتجنبًا لأن يُفهم العتاب في غير سياقه أو أن يُعد اصطفافًا ضد محكوم في محنته. أما اليوم، وقد انزاحت عنه هذه الغمة وجاء خبر العفو ، فقد حان الوقت لنرجوه بكل أمانة أن يراعي فى المرحلة القادمة الأسلوب واللغة المستخدمة، لأن الإنسان قد يكون على الحق تمامًا، ولكن أسلوبه يضر هذا الحق ولا يفيده.

وحين ننظر في تاريخ الشعر السياسي والهجاء العربي والعالمي، نجد أمثلة تتشابه مع حالة عبد الرحمن القرضاوي، لشعراء ومثقفين كانوا في موقف المعارضة والنقد لسلطةأو خصوم سياسيين، لكنهم لجأوا إلى السباب والتشبيهات العارية، فخسروا وقار القضية وأضروا بحقهم أبلغ الضرر.

فى فرنسا، ظهرت تجربة الكاتب والشاعر السياسي الفرنسي الكونت دي ميرابو خلال بدايات الثورة الفرنسية. كان ميرابو خطيبًا فصيحًا ومدافعًا صلباً عن حقوق الشعب ضد طغيان البلاط الملكي، لكنه أطلق سلسلة من المنشورات الشعريّة والقصائد الهجائية التي لم تكتفِ بنقد النظام الملكي، بل غرقت في الفحش والسباب والتعريض الأقذع ضد الملكة ماري أنطوانيت وحاشيتها. ورغم أن قضية الشعب ضد استبداد الملكية كانت عادلة ومستحقة، إلا أن تلك الكتابات الفاحشة صدمت قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي وألبت أصحاب الرأي المعتدل، واعتبرها مؤرخو الثورة انحدارًا بالخطاب الثوري نحو ابتذال أفقد الثوار هيبتهم الأخلاقية وأعطى الملكية حجة دمغ المطالبين بالحرية بالفوضى والانحلال.

وفي الأدب الإنجليزي الحديث، قدم الشاعر والناقد السياسي الساخر اللورد بايرون مثالاً آخر عندما خاض صراعه الشهير ضد الحكومة البريطانية والطبقة الحاكمة والمحافظين في قصيدته الطويلة "دون جوان". بالرغم من دفاعه المستميت عن حرية الشعوب ومساندته للثورات في أوروبا، إلا أنه شحن أبياته بهجوم شخصي فاحش واستعارات وشتائم مباشرة لخصومه السياسيين مثل الوزير "كاسلري". ورغم عبقرية بايرون، إلا أن هذا الأسلوب الفاحش دفع برلمان بلاده والمؤسسات الثقافية إلى منع نشر أجزاء كبيرة من أعماله وتهميش موقفه السياسي، ليتحول التركيز الشعبي من قضية الحرية إلى السجال حول أخلاق الشاعر وطبيعة ألفاظه.

 

وفي الشعر العربي القديم، نجد الشاعر ابن الرومي، الذي عاش في العصر العباسي مظلومًا ومضطهدًا ومحاربًا من رجالات السلطة والنفوذ. كانت لابن الرومي مظلمة حقيقية وقضية عادلة ضد فساد الحكام والوزراء، وكان ملكًا للشعر والبلاغة والتشبيه البديع. لكنه كان حين يشتد غضبه، يتحول إلى الهجاء الفاحش واستخدام أعضاء الجسد والتشبيهات البذيئة الصريحة للطعن في أخص خصوصيات خصومه. والنتيجة أن التاريخ لم يحفظ له هذا الهجاء الفاحش كموقف نضالي، بل عزل شعره وبات كثير منه يُتجنب ويُحظر في المجالس لما فيه من بذاءة، وصار يُنظر إليه كشاعر سوداوي موتور بدلاً من كونه مظلومًا يطالب بحقه.

هذه المتطابقة تؤكد حقيقة واحدة أثبتتها الأيام: حين يترك الشاعر أو المثقف بلاغة الحجة والبيان الراقي، ويهبط إلى مستنقع الفحش والسباب والتشبيهات المبتذلة، فإنه يسقط سلاحه الحقيقي. فالطغاة والخصوم يزولون، ولا يبقى من الشاعر إلا ما رفعه من قيم وخلق، والمتلقي المنصف قد يتعاطف مع قضيتك المظلومة، لكنه أبدًا لن يحترم لساناً يستبيح الحرمات ويجرح حياء الكلمة.

 

 

وختاماً نقول لعبد الرحمن يوسف القرضاوي،  اعلم أن الكلمة البذيئة تهدم من جدار حقك ما لا يستطيع خصمك هدمه. لا تسلم خصمك السلاح الذي يطمس به نبل موقفك، ولا تجعل بذاءة اللفظ غطاءً يغطي على بلاغة الحجة. إن العفة في الخصومة ليست ضعفًا بل هي ذروة القوة والترفع، والشاعر الحق هو من يصرع استبداد السلطة برقي بيانه، لا من ينزل إلى مستنقع الفحش. اجعلوا وسيلتكم من جنس غايتكم الشريفة، فالحق أبلج، واللسان العفيف أشذ أثرًا وأطول بقاءً في ذاكرة الناس والتاريخ.