رصاص وتهديدات وكراهية.. ماذا حدث لبيكهام بعد طرده في مونديال 1998؟
في 30 يونيو 1998، غيّرت حركة متهورة واحدة بقدم ديفيد بيكهام اليمنى حياته إلى الأبد. البطاقة الحمراء التي حصل عليها أمام الأرجنتين أشعلت موجة غضب عارمة في جميع أنحاء إنجلترا، وحوّلت نجم مانشستر يونايتد الشاب من أحد أكثر اللاعبين شعبية إلى الرجل الأكثر تعرضًا للكراهية في البلاد.
بعد أسابيع قليلة، كان بيكهام داخل منزله في مانشستر الكبرى عندما استيقظ على صوت غريب في الخارج. اقترب من النافذة، فرأى رجلًا يقف أمام المنزل، ذراعاه متشابكتان ولا يتحرك. ظل الاثنان ينظران إلى بعضهما البعض لعدة دقائق، قبل أن يصرخ بيكهام: «ماذا تريد؟». لم يحصل على إجابة، لكن الرجل استمر في التحديق إليه قبل أن يختفي لاحقًا.
في ذلك الوقت، لم يعد بيكهام يشعر بالأمان حتى داخل منزله. كل هذا بدأ بعد مباراة إنجلترا والأرجنتين في كأس العالم 1998، عندما حصل على البطاقة الحمراء عقب احتكاك مع دييجو سيميوني. خرجت إنجلترا من البطولة بركلات الترجيح، لكن بيكهام أصبح الهدف الأول للغضب الجماهيري والإعلامي.
قبل العاصفة
قبل مواجهة الأرجنتين بيوم واحد، كانت حياة بيكهام تسير في اتجاه مختلف تمامًا. كان داخل حافلة المنتخب الإنجليزي في طريقها إلى سانت إتيان عندما اتصل بخطيبته فيكتوريا، التي أخبرته بأنها حامل بطفلهما الأول. بعد بداية صعبة لكأس العالم، بدا أن الأمور بدأت أخيرًا تتحسن.
كان بيكهام في ذلك الوقت أحد أبرز نجوم المنتخب الإنجليزي ومانشستر يونايتد. شهرته تضاعفت بسرعة بسبب مستواه داخل الملعب، إلى جانب ارتباطه بفيكتوريا، نجمة فرقة سبايس جيرلز. حتى شركة أديداس تعاملت معه باعتباره أحد رموز الكرة الإنجليزية، بعدما استخدمت صورته في حملتها قبل كأس العالم.
لكن الشهرة كانت تحمل جانبًا آخر. بدأ الإعلام يركز على حياة بيكهام خارج الملعب، بينما كان مدرب إنجلترا جلين هودل يشعر بأن الضجة المحيطة باللاعب بدأت تزداد.
ورغم مشاركة بيكهام في جميع مباريات التصفيات، فاجأ هودل الجميع باستبعاده من التشكيل الأساسي في المباراة الأولى أمام تونس. وقال له المدرب إنه لا يعتقد أنه مركز بالكامل، وهو ما رفضه بيكهام، مؤكدًا أن شهرته لم تؤثر على تركيزه في كرة القدم.
عاد بيكهام إلى التشكيل أمام كولومبيا، وسجل هدفًا من ركلة حرة رائعة، ليصبح مجددًا أحد أبطال المنتخب. لكن كل شيء تغير أمام الأرجنتين.
لحظة غيرت حياته
في بداية الشوط الثاني، تعرض بيكهام لاحتكاك من دييجو سيميوني، ورد اللاعب الإنجليزي بحركة متهورة بقدمه اليمنى. أشهر الحكم الدنماركي كيم ميلتون نيلسن البطاقة الحمراء في وجهه، لتبدأ واحدة من أصعب فترات حياته.
وقف بيكهام بالقرب من النفق يشاهد إنجلترا وهي تخرج من كأس العالم بركلات الترجيح. كان يشعر بالندم، لكنه لم يكن يتخيل حجم ما ينتظره بعد العودة إلى إنجلترا.
في غرفة الملابس، كان الصمت هو المسيطر، قبل أن يحاول جاري نيفيل وبول سكولز مواساته. ثم اقترب منه توني آدامز وقال له كلمات أصبحت بمثابة رسالة لبيكهام: «مهما حدث هنا، أنت لاعب شاب ممتاز، ويمكنك أن تصبح أقوى بسبب ما حدث».
كان عليه فعلًا أن يصبح أقوى.
أكثر رجل مكروه في إنجلترا
بعد خروج إنجلترا من البطولة، بدأت الصحف تبحث عن المسؤول عن الفشل، وكان بيكهام الهدف الأسهل. تحولت البطاقة الحمراء إلى قضية وطنية، وظهرت عناوين صحفية قاسية بحقه، بل نشرت إحدى الصحف صورة له على هيئة لوحة سهام وكأنه هدف للجميع.
عندما عاد المنتخب إلى إنجلترا، لم يمكث بيكهام سوى فترة قصيرة قبل أن يسافر إلى نيويورك لمقابلة فيكتوريا. حتى في المطار، لاحقه الصحفيون وسألوه عن شعوره بعدما «خذل بلاده»، لكنه لم يتوقف للرد.
لم تتوقف الحملة عند الصحف. في أحد الحانات بلندن، عُلقت دمية بالحجم الطبيعي لبيكهام مرتدية قميص إنجلترا، ثم تحولت الدمية إلى رمز لحجم الغضب ضده.
بدأت وسائل الإعلام تحاصر منزل والديه، ووصل الأمر إلى تلقي بيكهام تهديدات بالقتل ورصاصات عبر البريد. وفي إحدى الليالي، ظهر رجل غريب أمام منزله وظل يحدق فيه من دون أن يتحدث.
مانشستر يونايتد يقف إلى جواره
في الوقت الذي كان فيه بيكهام يتعرض للهجوم في إنجلترا، وجد شيئًا مختلفًا تمامًا داخل مانشستر يونايتد. اتصل به السير أليكس فيرجسون وقال له: «لا تقلق يا بني، أنت لاعب في مانشستر يونايتد.. ونحن سنعتني بك».
وقف النادي ولاعبوه إلى جانب بيكهام، كما حصل على دعم واضح من جماهير أولد ترافورد. كان الجميع يعرف شخصيته، ويؤكدون أنه لم يتعامل مع زملائه باعتباره نجمًا أكبر منهم، بل ظل واحدًا من المجموعة.
لكن جماهير الأندية المنافسة لم تكن مستعدة لنسيان ما حدث. في إحدى مباريات يونايتد خارج ملعبه أمام وست هام، تعرض بيكهام لصيحات استهجان وهتافات قاسية طوال المباراة، لكن ردة فعله كانت واضحة: لم يختبئ ولم يهرب، بل طلب الكرة واستمر في اللعب.
وبدلًا من الرد بالكلمات، قرر بيكهام أن يرد داخل الملعب.
الرد
كان موسم 1998-1999 واحدًا من أفضل مواسم بيكهام في مسيرته. بدأ اللاعب يقدم مستويات استثنائية، وساهم في تقدم مانشستر يونايتد في البطولات الثلاث.
وفي دوري أبطال أوروبا، جاء الموعد مع إنتر ميلان ودييجو سيميوني، الرجل الذي تسبب في طرده أمام الأرجنتين. كانت كل الأنظار موجهة إلى لحظة المصافحة بينهما، لكن بيكهام اختار أن يجعل كرة القدم تتحدث.
صنع هدفين وساهم في فوز مانشستر يونايتد بهدفين دون رد، ثم ذهب بعد المباراة إلى سيميوني وتبادل معه القميص. لم تكن هناك كلمات كثيرة، لكن المشهد كان كافيًا ليكشف حجم التحول الذي حدث.
قبل أقل من عام، كان بيكهام يبكي بعد طرده أمام الأرجنتين، والآن أصبح أحد أسباب اقتراب مانشستر يونايتد من تحقيق موسم تاريخي.
من الكابوس إلى الثلاثية
واصل بيكهام التألق مع الفريق، وسجل هدفًا رائعًا أمام أرسنال في نصف نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي. ثم جاء نصف نهائي دوري الأبطال أمام يوفنتوس، عندما كان مانشستر يونايتد متأخرًا بهدفين.
نفذ بيكهام ركلة ركنية دقيقة، وصلت إلى روي كين الذي سجل هدفًا أعاد فريقه إلى المباراة وغيّر مسار المواجهة. بعدها بأيام، كان يونايتد بحاجة للفوز على توتنهام في الجولة الأخيرة من الدوري لحسم اللقب.
تقدم توتنهام، لكن بيكهام رد بتسديدة رائعة أعادت التعادل، قبل أن يحسم مانشستر يونايتد اللقب.
لم يتبقَ سوى دوري أبطال أوروبا.
ليلة برشلونة
في نهائي دوري أبطال أوروبا أمام بايرن ميونخ، لعب بيكهام في وسط الملعب بسبب غياب روي كين وبول سكولز. كان يونايتد متأخرًا حتى الدقائق الأخيرة، ثم جاءت الركلات الركنية التي صنعت واحدة من أشهر نهايات البطولة.
نفذ بيكهام ركلة ركنية وصلت إلى تيدي شيرينجهام، قبل أن ينتهي بها المطاف أمام أولي جونار سولشاير الذي سجل هدف الفوز القاتل.
بينما ركض الجميع للاحتفال، ظل بيكهام بالقرب من الراية الركنية يقفز من شدة الفرح. وعندما أطلق الحكم صافرة النهاية، ركض بطول ملعب كامب نو وذراعاه ممدودتان.
قبل 11 شهرًا فقط، كان يبكي في سانت إتيان بعد البطاقة الحمراء أمام الأرجنتين. الآن أصبح بطلًا لأوروبا، وعضوًا في فريق حقق الثلاثية التاريخية.
ساهم بيكهام في صناعة 8 أهداف خلال دوري أبطال أوروبا في ذلك الموسم، واختير أفضل لاعب في مسابقات الاتحاد الأوروبي للأندية. وبعد أشهر قليلة، احتل المركز الثاني في سباق أفضل لاعب في العالم خلف البرازيلي ريفالدو.
لكن أهم ما حققه بيكهام لم يكن جائزة أو لقبًا.
لقد تجاوز أصعب لحظة في حياته.
بعد المباراة النهائية، حمل بيكهام كأس أوروبا إلى خارج ملعب كامب نو، وهناك وجد والده. وضع الكأس جانبًا واحتضنه، بينما تذكر الاثنان تلك الليلة في سانت إتيان، عندما بدا أن البطاقة الحمراء قد تدمر مستقبل ديفيد بيكهام.
لكنها لم تفعل.
على العكس، تحولت تلك اللحظة إلى نقطة انطلاق جعلته أكثر قوة وإصرارًا، وبعدها أصبح قائدًا لمنتخب إنجلترا وتحول مرة أخرى إلى بطل قومي.
وكما قال بيكهام لاحقًا عن ذلك الموسم: «لقد كان الموسم الذي عشت فيه كابوسًا وحلمًا في الوقت نفسه.. وفي النهاية، انتصر الحلم».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض