الضفة المحتلة تحت مقصلة «الأزرق» و«القرمزى»
إرهاب الخرائط الصهيونى لإنهاء الوجود الفلسطينى
لطالما عرفت الألوان فى أصل التكوين بأنها لغة الحياة، ورمز للبهجة والسلام والأمل، إلا أن العدو الصهيونى جعل الألوان تتلوى كحية رقطاء ناعمة وأداة عسكرية وهندسية فى يده لتفقد الألوان فطرتها وتتحول من رمز للجمال إلى سلاح ناعم للترهيب والطرد ومحو الذاكرة.
تتسارع خطط الاستيطان التهويدية فى عمق الضفة الفلسطينية المحتلة، لابتلاع ما تبقى من الأرض الجريحة على خريطة مزقتها الأطماع على مائدة اتفاقية «سايكس بيكو» التى قطعت اوصال بر الشام فى 16 مايو 1916 وتلاها وعد بلفور فى 2 نوفمبر 1917.
وما بين تدقيق «طاقم الخط الأزرق» الذى يشرعن السطو بجرة قلم، وبين جدار وعزل «الخيط القرمزى» الذى يطوق الأغوار يجد الفلسطينى صاحب الأرض نفسه محاصرا بين مطرقة القوانين الجائرة وسندان التهجير العسكرى.
تصعد سلطات الاحتلال الإسرائيلى، استخدام ما يسمى بـ«طاقم الخط الأزرق» كأداة تنفيذية للاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضى الفلسطينية فى شمال ووسط الضفة المحتلة ضمن مخططات استيطانية تهدف لشرعنة البؤر الاستيطانية وتوسيع المستوطنات.
وأكد «المكتب الوطنى» للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، فى تقريره الأسبوعى أن وزير مالية الاحتلال الإسرائيلى، بتسلئيل سموتريتش، يقود قبيل انتخابات الكنيست حملة استيطانية واسعة.
وأوضح المكتب الوطنى أن سموتريتش استعان بحملته الاستيطانية بـ«طاقم الخط الأزرق» التابع للإدارة المدنية الإسرائيلية والذى تأسس عام 1999 ويضم مسّاحين ورسامين للخرائط وخبراء قانونيين.
وأشار إلى أن سلطات الاحتلال استولت عبر الطاقم الاستيطانى على 7,498 دونما من أراضى بلدة قباطية جنوبى مدينة جنين، بموجب أمر عسكرى وصفته بأنه «فورى ومستعجل»؛ لإنشاء مسار عسكرى وبرج مراقبة.
وأوضح أن إجمالى ما استهدف فى محيط قباطية بلغ 13,769 دونمًا عبر أمرين عسكريين، ضمن 15 أمرا أصدرتها قيادة المنطقة الوسطى، فى وقت تواصل فيه محاولات تأسيس بؤر استيطانية قرب عرابة.
وفى وسط الضفة المحتلة، نقل المكتب الوطنى عن رئيس مجلس قروى المغير أمين أبو عليا، قوله إن ما تبقى لأهالى القرية لا يتجاوز 900 دونم من أصل 43 ألف دونم بسبب إقامة 11 بؤرة استيطانية على أراضيها، أبرزها «ملاخى هشالوم» و«متسودات دافيد»، و«غفعات أور نحما».
وأعلنت سلطات الاحتلال الأسبوع الماضى الاستيلاء على نحو 1,665 دونما لصالح مستوطنى «كيدا»، و«هدات» على أراضى جالود وقريوت وترمسعيا والمغير، فى خطوة تمهد لبناء أكثر من 1000 وحدة استيطانية وربط كتلة «شيلو» بالأغوار. وأشار التقرير النظر إلى رفض المحكمة المركزية الإسرائيلية فى القدس المحتلة طلبا لتجميد عطاء بناء 1,234 وحدة استيطانية فى منطقة E1، معتبرة أن الالتماسات المقدمة ضد المشروع يرجح أن تحسم قبل التنفيذ.
وبدأت سلطات الاحتلال تنفيذ مرحلة جديدة من مشروع الفصل فى الضفة المحتلة عبر بناء جدار يمتد فى نهاية المطاف لنحو 300 ميل، من مرتفعات الجولان المحتلة إلى البحر الأحمر، فى خطوة من شأنها فصل منطقة الأغوار عن أجزاء واسعة من الضفة والاستيلاء فعلياً على عشرات الآلاف من الدونمات من الأراضى الفلسطينية.
وكشفت متابعة ميدانية عن أن المشروع، المعروف باسم «الخيط القرمزى»، أدى خلال أشهر قليلة إلى تغيير جذرى فى حياة عشرات العائلات الفلسطينية، بعدما باتت محاصرة بين الحواجز والطرق العسكرية ومضايقات المستوطنين والاحتلال.
ويؤكد شهود عيان أنه وبعد ثمانية أشهر، تغير المشهد بصورة جذرية، إذ تتسارع أعمال بناء الجدار، بينما أجبرت الضغوط المتواصلة من الاحتلال والمستوطنين عشرات العائلات على النزوح، وأصبحت تجمعات فلسطينية تقع شرق الجدار تكافح للحصول على الغذاء والماء والوصول إلى القرى والبلدات المجاورة والخدمات الأساسية.
كما أقيمت بؤرة استيطانية جديدة على جبل تمون، تعرف باسم «تامون»، فيما يجوب مستوطنون يرتدون الزى العسكرى المنطقة ويهددون أصحاب الأرض ويقود أحدهم سيارة هامر عسكرية. وتأتى هذه البؤرة ضمن 19 مستوطنة أعلن سموتريتش عن إنشائها العام الماضى، بينها مستوطنتا غانم وكاديم اللتان أخلتهما إسرائيل خلال خطة «فك الارتباط» عن غزة عام 2005.
ويمثل تحويل جبل تمون جزءا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل منطقة غور الأردن، إذ وقع قائد القيادة المركزية فى الاحتلال الإسرائيلى، اللواء آفى بلوث، فى نهاية أغسطس من العام الماضى، تسعة أوامر للاستيلاء على أراضٍ بهدف بناء جزء من جدار الفصل الذى يمر عبر شمال غور الأردن ويقطع جبل تمون مباشرة.
وتزعم حكومة الاحتلال أن مشروع «الخيط القرمزى» يهدف إلى منع تهريب الأسلحة عبر الحدود الشرقية للضفة المحتلة مع الأردن والتصدى للإرهاب.
وادعى متحدث باسم الاحتلال أن المشروع «يستند إلى حاجة أمنية واضحة لمنع مرور المركبات بشكل غير منظم من غور الأردن إلى قلب الضفة المحتلة».
لكن المشروع، وفق الأهالى المحليين، سيؤدى عمليا إلى فصل غور الأردن عن بقية الضفة المحتلة وعزل الفلسطينيين عن عشرات الآلاف من الدونمات الزراعية والرعوية، بما يسرع تهجير مجتمعات تواجه أصلا ضغوطاً متزايدة من المستوطنين وقوات الاحتلال
وتقع معظم خربة رأس الأحمر شرق الجدار الجارى بناؤه، والذى يتكون حالياً من خندق ترابى يمنع المركبات من العبور. وأجبرت الظروف الجديدة 13 عائلة من أصل نحو 70 عائلة فى القرية على مغادرة أراضيها خلال الأشهر الأخيرة
وتواجه القرية واقعا جغرافيا أكثر عزلة، إذ أقامت حكومة الاحتلال خلال الانتفاضة الثانية جدارا من السدود الترابية على طول طريق ألون شرق خربة رأس الأحمر، مما فصل وادى الأردن عن جبل تمون. ويجرى الآن بناء الجدار الجديد غرب القرية، الأمر الذى يحاصرها عمليا بين الحاجزين.
وينحدر بعض أهالى خربة رأس الأحمر من تجمعات فلسطينية سبق تهجيرها ومن بينهم سكان خربة يرزة المجاورة الذين قالوا إنهم طردوا قبل نحو ستة أشهر بعد حملة ضغط من المستوطنين والاحتلال.
إنها معركة الوجود المستمرة، منذ النكبة حيث تسلب الأرض ويهجر أصحاب الحق، أمام مرأى ومسمع من عالم لا يزال مكتفيا بالمشاهدة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض