لفت نظر
لم تكن أسوان يوما مجرد محافظة فى أقصى الجنوب، بل كانت دائما صورة مختلفة لمصر؛ مزيجا من الطيبة والكرم والتسامح، وواحة للتعايش بين عائلات وقبائل وأجيال ارتبطت بالأرض والنيل والدم الواحد. ولذلك فإن عودة مشاهد القتل المرتبطة بالثأر إلى بعض قرى أسوان ليست مجرد جريمة عابرة، وإنما جرس إنذار يستحق أن يسمعه الجميع.
جاءت واقعة مقتل فتحى محمد الميرغنى، العم الأصغر للفنان حمدى الميرغنى، فى قرية الضما التابعة لمركز كوم أمبو، لتعيد إلى الواجهة قضية الثأر التى ظن كثيرون أنها تراجعت أمام سلطة القانون وتغيرات المجتمع. وتشير تقارير منشورة إلى أن الرجل، وهو موظف بمجلس مدينة كوم أمبو، قُتل بإطلاق النار أثناء توجهه إلى عمله.
لكن الأخطر من الجريمة نفسها هو ما تكشفه الروايات المتداولة عن خصومة قديمة امتدت سنوات، بينما تؤكد روايات من أسرة المجنى عليه عدم وجود خلاف مباشر أو خصومة مع القاتل. وهذا التباين يؤكد أن التحقيقات وحدها هى القادرة على تحديد الدافع الحقيقى والمسئوليات الجنائية، بعيدا عن الأحكام المسبقة.
المشكلة الحقيقية فى الثأر أنه يبدأ غالبا بجريمة واحدة، ثم يتحول إلى منطق غريب يقول إن الدم لا يُغسل إلا بالدم.
يُقتل شخص، فتطالب عائلته بالرد، فيُقتل آخر ربما لم يكن طرفا فى الجريمة الأولى، فتولد خصومة جديدة، وتدخل أجيال لم تكن موجودة أصلا عند بداية النزاع فى دائرة من الانتقام.
وهنا يتحول الإنسان من مواطن تحميه الدولة والقانون إلى شخص يحمل على كتفيه إرثا من الخصومة لم يختره.
والأكثر قسوة أن الثأر لا يميز بين مذنب وبريء؛ فقد يصبح الموظف الذى يذهب إلى عمله، أو الطالب الذى يذهب إلى مدرسته، أو المزارع العائد إلى منزله، هدفا .. فقط لأنه ينتمى إلى عائلة معينة. وهذا هو الخطر الذى يجب أن نتوقف أمامه. لا يمكن اختزال الظاهرة فى انتشار السلاح وحده، رغم أن السلاح أحد أهم عناصرها.
هناك منظومة اجتماعية كاملة تحتاج إلى مواجهة.. تأخر الفصل فى بعض الخصومات.. ضعف ثقافة الاحتكام إلى القانون .. الخوف من مواجهة العائلة الممتدة، وتوارث الخصومة من جيل إلى آخر.. كلها اسباب حقيقية لهذه الظاهرة التى عادت الى الوادى الطيب، والأخطر هو أن يتحول الصمت الاجتماعى إلى نوع من القبول الضمنى.
فالسكوت عن بداية الخصومة ليس حيادا دائمًا، كما أن ترك العائلتين تتعاملان مع الأزمة بعيدا عن الدولة قد يسمح للخلاف الصغير بأن يتحول إلى مأساة كبيرة.
أسوان التى عرفها المصريون بوصفها أرض الطيبة والسلام ينبغى ألا تختزل فى أخبار جرائم الثأر.
لكن استعادة هذه الصورة لا تكون بالشعارات، وإنما بعمل متكامل تشترك فيه الدولة والعائلات والقيادات الطبيعية والدينية والمجتمع المدنى.
المطلوب ليس فقط ضبط الجانى بعد وقوع الجريمة، فهذا واجب الدولة الطبيعى، وإنما منع الجريمة التالية هو الأكثر إلحاحًا الآن، وهنا تظهر أهمية المصالحات الحقيقية، ورصد الخصومات القديمة، والتدخل المبكر فى النزاعات، وتشجيع العائلات على تسليم السلاح والاحتكام إلى القضاء، وعدم السماح بأن يصبح «العار الاجتماعي» من طلب حقه بالقانون أكبر من العار الناتج عن ارتكاب جريمة قتل.
فى المجتمعات التى يترسخ فيها مفهوم الدولة، يصبح القانون هو صاحب الكلمة الأخيرة. أما عندما يشعر البعض بأن العدالة يمكن أن تتحقق بعيدا عن المؤسسات، تبدأ الدولة فى فقدان أهم أدواتها وهى ثقة المواطن بأن حقه سيصل إليه عبر القانون.
ولهذا فإن مواجهة الثأر ليست قضية أمنية فقط، بل قضية دولة ومجتمع وثقافة. يجب أن يعرف الجميع أن القاتل سيحاسب، وأن أهل الضحية سيجدون طريقا واضحا للعدالة، وأن من يفكر فى الانتقام سيجد أمامه قانونا حاضرا ورادعا، لا فراغا يسمح له بتحويل الجريمة إلى جريمة أخرى. المأساة الحقيقية فى الثأر أن الموت لا ينتهى بموت الضحية.
إنه يترك وراءه طفلا فقد أباه، وأما فقدت ابنها، وزوجة فقدت زوجها، وعائلة تحمل خوفا جديدا، ثم يأتى جيل آخر ليجد نفسه مطالبا بحمل بندقية بدلا من أن يحمل كتابا أو يبحث عن عمل أو يبنى مستقبله، وهكذا يتحول الثأر إلى إرث من الموت.. وأسوان لا تستحق هذا الإرث.
إن مقتل عم الفنان حمدى الميرغنى، بصرف النظر عما ستكشفه التحقيقات النهائية بشأن دوافع الجريمة وملابساتها، يجب أن يكون مناسبة لإعادة فتح ملف الخصومات الثأرية فى الصعيد بجدية، لا مناسبة لإعادة إنتاج خطاب الثأر... فالدم لا يعيد الدم... والانتقام لا يصنع عدالة.
وإذا كان لنا أن نستعيد أسوان التى نعرفها، فعلينا أن نعيد الاعتبار إلى الكلمة التى كانت أقوى من الرصاصة، وإلى الصلح الذى يمنع الجريمة قبل وقوعها، وإلى القانون الذى يجب أن يكون الحكم الوحيد بين الناس.
أسوان ليست واديا للثأر.. أسوان وادٍ طيب، ويجب ألا نسمح بأن يعلو صوت الرصاص فيه على صوت الحكمة والقانون.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض