رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

على فكرة

لفتت الرسائل التى انطوى عليها الخطاب السنوى لرئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فوندير لاين»، أمام البرلمان الأوروربى فى ستراسبورج «الأربعاء الماضى، نظر كثير من المتابعين. فالخطاب يجدد الدعوة الفرنسية التى عبر عنها الرئيس الفرنسى ماكرون فى أكثر من مناسبة خلال السنوات القليلة الماضية، من ضرورة اعتماد القارة الأوروبية على نفسها فى قضايا الأمن والدفاع والتسلح والتعاون الاقتصادى، تفاديا للضغوط الأمريكية، وتوازنا مع المنافسة الصينية. وكان هذا النزوع نحو استقلالية أوروبية تبغى الابتعاد قليلا عن الارتباط العضوى للقرار الأوروبى بالسياسة الأمريكية، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، قد أخذ فى البروز فى أعقاب التوتر الذى نشب بين دول القارة والإدارة الأمريكية الحالبة.
ففى دورة رئاسته الثانية، فرض ترامب رسوما جمركية مرتفعة على الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة. ومن جانب آخر، رفض عدد من دول الاتحاد الأوروبى الانخراط المباشر فى الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران.فضلا عن بعض تفاوت فى المواقف بين الطرفين الأوروبى والأمريكى من الحرب الأوكرانية. حيث يتوجس الأوروبيون من علاقات الرئيس الأمريكى التى تبدو طيبة مع الرئيس الروسى بوتين، باعتبارها موقفا ضد أوكرانيا، برغم الأسلحة الأمريكية المتطورة التى منحت لكييف، وبرغم العقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا منذ بدء الحرب، بفرض رسوم بنسبة تصل إلى 100%على الدول التى تستورد الغاز والنفط من روسيا، بالإضافة إلى فرض عقوبات عل بنوك وشخصيات، وقطاعات فى مجالات النقل والإعلام والثقافة والرياضة الروسية.
فى خطابها بدت النزعة الاستقلالية واضحة حين أكدت فوندير لاين على أن مصير أوروبا يجب أن يبقى فى أيدى الأوروبيين. وليس ببعيد عن تلك النزعة دعوة رئيس الوزراء الكندى «مارك كارنى» كأول رئيس حكومة أجنبى، لالقاء خطاب أمام البرلمان، وطرح فكرة أن تكون كندا، عضوا مشاركا فى الاتحاد الأوروبى، أى لا يتمتع بالحقوق والواجبات نفسها التى تحظى بها دول الاتحاد البالغة 27. وليس سرا أن تلك خطوة تعد فى مواجهة إدارة ترامب، التى تخوض مع كندا حربا تجارية ضارية، فضلا عما أعلنه ترامب عن رغبته فى ضم كندا بجانب جرينلاند والمكسيك وأيسلندا لتصبح جزءا من الولايات المتحدة. ولم يتوقف ترامب عند مجرد التصريحات، بل نشر على منصته الخاصة على وسائل التواصل الاجتماعى، خريطة موحدة لتلك الدول يظلل عليها العلم الأمريكى!
لم يكد يمضى خمسة أيام، على حادث السابع من أكتوبر 2023، حتى بادرت فوندير لاين بالذهاب إلى إسرائيل لإعلان التضامن معها، قائلة إن لها الحق فى الدفاع عن نفسها متغاضية عن التنكيل الإسرائيلى بأهالى غزة. أثارت تلك الزيارة انقساما بين مسئولى الاتحاد الأوروبى، حين وصفوها بأنها لم تكن تمثل سوى نفسها وذهبت دون تفويض من الاتحاد.
ولعل الغضب الذى أحاط بزيارتها تلك، يكون هو الحافز الذى دفعها إلى القول فى خطاب الأربعاء الماضى أن دور أوروبا هو الحفاظ على الطرق الدبلوماسية لإنهاء الصراع الفلسطينى –الإسرائيلى عبر حل الدولتين. كما وصفت مشروع الاستيطان الإسرائيلى بأنه غير قانونى وغير مقبول، كما أيدت فرض عقوبات أوروبية على المستوطنات فى الضفة الغربية. ويأتى حديث فوندرلاين فى التوقيت نفسه الذى وافقت فيه إدارة ترامب على منح إسرائيل صفقة قنابل ثقيلة وذخائر حديثة تبلغ قيمتها نحو 2.8 مليار دولار.
أوروبا تعزز شراكتها مع كندا للاستفادة من تقدمها فى الثورة التكنولوجية والذكاء الصناعى وشئون الدفاع والأمن السبرانى وسلاسل التوريد، وكندا، كما قال رئيس وزرائها تبحث عن حلفاء موثوق بهم. وسواء كان ذلك يشكل تمردا على هيمنة قطب وحيد على العالم أم نزوعا للاستقلالية عن سياساته، فإن المؤكد فى الحالتين أن العالم يتغير، وأن النظام الدولى بصيغته القديمة يوشك على الأفول، وإن نظاما جديدا فى طريقه نحو التشكل، بما يفرض سؤالا على النخب والمؤسسات والدول العربية: ماذا نحن فاعلون للمشاركة فى تشكيل هذا المستقبل الذى لم يعد بعيدا؟!