تعددت الروايات التاريخية التى تفسر تسمية «باب المندب» بـ«بوابة الدموع»؛ ويُعزى هذا المسمى فى جذوره التاريخية إلى أهوال الإبحار عبر هذا المضيق الضيق؛ إذ جعلت منه ظروف وبيئة الملاحة الخطيرة، معبراً محفوفاً بالمخاطر. أما اليوم، فلم تعد «الدموع» قاصرة على أخطار الملاحة فحسب، بل باتت ترمز إلى التبعات الاقتصادية الجسيمة التى تترتب على تهديد هذه النقطة الحرجة، حيث تسيل معها دموع الاقتصاد العالمى قلقاً وتوجساً. ويقع مضيق باب المندب كشريان مائى ضيق بين اليمن فى الشمال الشرقى، وجيبوتى وإريتريا فى الجنوب الغربى. ويشكل مضافاً إليه البحر الأحمر وقناة السويس، قناة بحرية حيوية للشحنات العالمية، تمد جسور التجارة بين دول أوروبا ودول الخليج، وآسيا والمحيط الهادئ؛ إذ يمر عبر هذا الممر ما بين 10-12% من التجارة البحرية العالمية سنوياً.
تعزيز الحوثيين لسيطرتهم على الساحل الغربى لليمن يمثل محطة مفصلية فى مسار المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران، وتعلن رسمياً أن طهران وحلفاءها مستعدون لخوض حرب استنزاف طويلة الأجل. ورغم غياب الاعتراف المباشر بالدور الإيرانى، فمن الجرأة بمكان الافتراض بأن جماعة الحوثى اتخذت هذه الخطوة الجسيمة بمعزل عن ضوء أخضر من طهران؛ إذ يضع هذا التنسيق الميدانى ممرين مائيين يُعدان شريان الحياة للتجارة العالمية تحت النفوذ المباشر لإيران وحلفائها. ولم يكن توقيت هذه المكاسب الميدانية أو ثقلها الاستراتيجى من باب الصدفة، بل أراه رسالة واضحة تُؤكد اعتزام النظام الإيرانى توظيف أوراق نفوذه الإقليمى بأقصى طاقة ممكنة، لمواصلة خنق الاقتصاد العالمى ومضاعفة الضغوط على واشنطن والقوى الإقليمية المجاورة. ونتيجة هذه المعادلة المعقدة، لم يعد الاضطراب فى حركة الشحن البحرى مجرد أزمة مؤقتة، بل أصبح واقعاً دائماً يفرض نفسه على بيئة التجارة الدولية. فسلاسل الإمداد العالمية تحولت من منظومة لوجستية معقدة إلى قطاع هش شديد الخطورة يتأثر بأقل الهزات السياسية. وحتى قبل هذه التطورات فى الساحل الغربى اليمنى، كانت تقارير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية تشير إلى أن خريطة الملاحة تغيرت بلا رجعة، متوقعة استمرار هذه الاختناقات واضطرار السفن لترسيم مسارات بديلة حتى نهاية العقد الحالى على الأقل، حيث توقع تقرير للأمم المتحدة عن التجارة والتنمية لعام 2025 استمرار الاضطرابات حتى عام 2030 على الأقل، ما يؤكد أن العالم يقف اليوم أمام مرحلة جديدة كلياً من إعادة تشكيل خطوط التجارة البحرية.
وبهذه التطورات عاد اليمن إلى واجهة الصراع؛ وتحول مضيق «باب المندب» من ممر ملاحى تجارى إلى نقطة اختناق جديدة فى صراع إقليمى ودولى واسع، قديماً أطلق على اليمن تسمية «اليمن السعيد» منذ عهد الرومان واليونان، حيث كان هذا الوصف انطباعاً جغرافياً واقتصادياً عن منطقة متميزة وواحة للازدهار وسط صحارى شبه الجزيرة العربية. لكن يمن اليوم ليس سعيداً على الإطلاق؛ فقد تحول إلى يمنٍ تعيسٍ يعانى طغيان أمراض القبلية البغيضة والمناطقية على حساب مفهوم الدولة الوطنية الحديثة وسيادة القانون، فى ظل حرب أهلية مستعرة منذ عام 2011 حتى يومنا هذا. واليوم، يدخل اليمن مرحلة جديدة أشد تعقيداً وخطورة على مستقبل استقراره الداخلى ومحيطه الإقليمى. ولن يتسنى كسر هذه الحلقة المفرغة إلا بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة اليمنية الوطنية الجامعة ومؤسساتها الفاعلة؛ فهى الضمانة الوحيدة والأساسية لاستعادة الاستقرار الداخلى، وحماية أمن البحر الأحمر، وتجنيب المنطقة برمتها أخطار الانزلاق نحو مواجهات لا تُحمد عقباها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض