رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكاية وراء كل باب: ضحايا الفضاء الإفتراضي وباء صامت..

ضحايا خلف شاشات الفضاء الإفتراضي بالمنيا

الفضاء الإفتراضي
الفضاء الإفتراضي

​في غرفتها المظلمة، كانت "ليلى" (24 عامًا) ترتجف وهي تحدق في شاشة هاتفها، لم يكن ما تراه كابوسًا، بل كان وجهها هي، ملامحها الدقيقة، وابتسامتها المألوفة، مدموجة بدقة مرعبة على مقاطع فيديو خادشة للحياء لا صلة لها بها. 

 

زميل عمل سابق قرر، بنقرات زر خبيثة مستخدمًا تقنيات "التزييف العميق" (Deepfake)، أن ينهي مستقبلها المهني والإجتماعي إثر خلاف مهني عابر، تتذكر ليلى احدى الضحايا بالمنيا، تلك اللحظات بمرارة تفوق الموت: "واجهت جدارًا من التشكيك المجتمعي؛ فالتقنية كانت من الدقة بحيث تعامل الجميع مع المادة المفبركة كحقيقة دامغة. 

 

تطلب الأمر أشهرًا من الفحص الفني الجنائي لإثبات التزوير الرقمي، لكن الشرخ الذي أصاب حياتي لم يلتئم بعد"، ليلى ليست وحدها؛ ففي زاوية أخرى من هذا العالم الافتراضي، كانت "مريم" (32 عامًا)، المعلمة والأم بالمنيا، تعيش أسابيع من الرعب والاضطراب النفسي، بعد أن اخترق مجهول سحابتها التخزينية، واستولى على صور عائلية خاصة ليتحول إلى شبح يبتزها ماليًا ونفسيًا، مما دفعها للاستقالة والانعزال التام، قبل أن تقرر كسر حاجز الصمت واللجوء للقانون.

 

​خلف تلك الحكايا الفردية، يختبئ "وباء صامت" يهدد البنى النفسية والاجتماعية للنساء، ويعيق قسرًا مسيرتهن في الفضاء العام، تظهر المؤشرات الدولية والتحليلات الإحصائية عمق هذه الفجوة الأمنية الرقمية؛ إذ تُشير البيانات إلى أن نحو 73% من النساء حول العالم تعرضن لشكل من أشكال العنف والترصد عبر البيئات الرقمية.

 

المعضلة الأكبر تكمن فيما يُعرف جنائيًا بـ "الرقم الأسود " وهي الجرائم التي تظل خارج القيد والترصد القانوني، حيث لا تتجاوز نسبة الضحايا اللواتي يتقدمن ببلاغات رسمية 25% فقط، نتيجة الخوف من الوصم المجتمعي والتشهير الممنهج .

 

هذا الخوف أدى إلى إصابة 50% من الناجيات باضطرابات قلق حادة، فيما أُجبرت 15% منهن على الانسحاب الكامل من الفضاء الرقمي، ما يمثل إقصاءً تعبيريًا واقتصاديًا ممنهجًا يعيد إنتاج أدوار الهيمنة التقليدية في قوالب برمجية حديثة تمنح الجاني ميزة التخفي.

​تحدث حاتم رسلان المستشار القانوني بالمنيا، إن مواجهة هذا التغول التكنولوجي، تتطلب تجاوز المسكنات المؤقتة نحو صياغة استراتيجية وطنية مستدامة ترتكز على أربعة أبعاد تكاملية، و يتطلب الواقع تقنينًا استباقيًا يواكب سرعة التطور التكنولوجي، مع إفراد نصوص خاصة لتجريم تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوليد المحتوى المزيف. 

 

كما بات من الضروري تدشين بروتوكول "المسار السريع" عبر دوائر قضائية متخصصة تضمن سرعة الفصل في القضايا، وإلزام الشركات التكنولوجية المزودة للخدمة بحذف المحتوى المسيء فورًا بأوامر قضائية مستعجلة.

​وأشار رسلان، أنه يجب العمل على تفكيك "ثقافة اللوم" التي تبرئ الجاني وتدين الضحية، وتوجيه السخط المجتمعي نحو المبتز، وبموازاة ذلك، ينبغي تحويل الثقافة السيبرانية وآليات حماية البيانات الشخصية من "ترف تقني" إلى "أبجدية معرفية شعبية" تُدرج إلزاميًا ضمن المناهج التعليمية الأساسية.

 

وأضاف رسلان، أنه من الناحية الإجرائية ومآلاتها العقابية، خطت المنظومة التشريعية خطوات حاسمة لمواجهة هذه الظواهر من خلال إقرار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (رقم 175 لسنة 2018)، بالتكامل مع نصوص قانون العقوبات التقليدي.

 

ونوه رسلان، إلي أن الإعتداء على الحرمة الشخصية: تنص المادة 25 من قانون تقنية المعلومات على معاقبة كل من اعتدى على المبادئ أو القيم الأسرية، أو انتهك حرمة الحياة الخاصة بنشر صور أو معلومات شخصية دون رضا صاحبها، بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة مالية تصل إلى مائة ألف جنيه.

 

وأوضح رسلان، أن الابتزاز والتهديد الإلكتروني: يكيّف القضاء هذه الأفعال وفقًا للمادة 327 من قانون العقوبات، والتي ترتقي بالعقوبة إلى السجن المشدد إذا كان التهديد مصحوبًا بطلب أموال أو إجبار الضحية على القيام بفعل مخل، وتغلظ العقوبة إلى أقصى مدياتها إذا كان الفعل موجهًا ضد القاصرات.

 

وأضاف المستشار القانوني، أن التزييف الرقمي (الذكاء الاصطناعي): يتعامل القضاء مع هذه التقنيات بوصفها جرائم تزوير معنوية مغلظة تندرج تحت طائلة السب والقذف والتشهير العمدي، وتوجب الحبس الوجوبي مع مصادرة الأدوات المستخدمة.

 

وأضاف رسلان، أنه يجب البدء فورًا بـ "التحصين الفني للجريمة" عبر الحفاظ على الأدلة الرقمية (لقطات الشاشة وفحص الروابط) دون تعديل، والتقدم الفوري ببلاغ رسمي إلى الإدارة العامة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات (مباحث الإنترنت)، إن القانون يفرض سياجًا حديديًا من السرية على بيانات المجني عليهن، والخضوع للمبتز لا يصنع أمانًا بل يغذي رغبة الجاني في التمادي.

 

​وأوضح المهندس هاني عز خبير برمجيات، ​إن إطلاق منصات انتصاف ذكية (تطبيقات رسمية تتيح الإبلاغ الفوري بـ "نقرة واحدة") مع تفعيل بروتوكولات تشفير تضمن السرية المطلقة للمبلغات، يعد خطوة أساسية، بالتكامل مع تفعيل "الدبلوماسية الرقمية" عبر اتفاقيات تعاون دولي لملاحقة الجناة العابرين للحدود الجغرافية.

​مع تأسيس مراكز دعم نفسي وسلوكي متخصصة تحت إشراف رسمي لمساعدة الناجيات على تجاوز متلازمات ما بعد الصدمة الرقمية، وخلق بيئة مجتمعية واعية ترفض الابتزاز وتمنع توفير بيئة آمنة للجناة .

 

​وأشار عز، إن الحفاظ على كرامة المرأة في الفضاء الرقمي ليس شأنًا فئويًا أو نسويًا، بل هو معيار حقيقي لنضجنا القومي وحداثتنا المؤسسية، إذ لا يمكن لأي تحول رقمي أن يكتمل دون أن يكون فضاءً آمنًا، عادلًا، ومحصنًا للجميع.

 

​هذا الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات نقدية صعبة تتطلب نقاشًا تشريعيًا ومجتمعيًا مستمرًا: كيف يمكن صياغة موازنة دقيقة بين "الخصوصية المطلقة للمستخدمين وحرية تدفق البيانات" من جهة، و"الرقابة الأمنية الإجرائية لتعقب المبتزين" من جهة أخرى؟ وهل بات المجتمع الدولي اليوم جاهزًا لتدشين "محكمة رقمية دولية" قادرة على ضبط الانفلات السيبراني العابر للحدود وتجاوز عقبات السيادات الإقليمية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد ملامح الأمان الإنساني في العصر الرقمي القادم .