«اتصلت برقم أبي الراحل».. عمرو الليثي يكشف سر مكالمة أعادته لطفولته وأبكته
أكد الإعلامي الدكتور عمرو الليثي أن التقدم في العمر يجعل الإنسان يكتشف أن الحنين ليس اشتياقًا إلى الأماكن بقدر ما هو اشتياق إلى الأشخاص الذين كانوا يملأونها بالحياة، مستعيدًا ذكريات طفولته ووالده وشقيقه وأصدقائه الذين رحلوا، ومتحدثًا عن مرض اثنين من أعز أصدقائه بالسرطان.
وقال عمرو الليثي، في تصريحات صحفية، إنه يشتاق إلى طفولته ومنزل أسرته القديم في وسط البلد، وإلى جيرانه وأصدقائه ورفاق المدرسة، وإلى وجوه كثيرة رحلت دون أن تمنحه فرصة للوداع، مضيفًا: «أشتاق إلى أبي وأخي، وإلى أعمامي وأخوالي وخالاتي وأجدادي.. أشتاق إلى زمن كان فيه كل هؤلاء حولي، وكنت أظن، بسذاجة الطفولة والشباب، أنهم سيبقون إلى الأبد».
وتابع: «منذ أيام وجدت رقم تليفون منزلنا القديم، ولا أعرف لماذا اتصلت به، ربما أردت أن أطمئن على طفولتي.. رن الهاتف طويلًا ولم يجب أحد، وظللت أستمع إلى الرنين، وفي داخلي إحساس غريب بأن أحدًا من زمان سيأتي مسرعًا ليرفع السماعة، وأنني سأسمع صوتًا أعرفه يقول آلو».
وأضاف: «والأغرب أنني بعدها، ودون وعي، اتصلت برقم آخر، وانتظرت فوجدته مغلقًا. نظرت إلى الرقم، وفجأة اكتشفت أنه رقم أبي.. أبي الذي رحل، بينما رقمه ما زال يسكن هاتفي وذاكرتي وقلبي».
وأوضح الليثي أن الأصعب من الاشتياق إلى من رحل هو الخوف على من تبقى، قائلًا: «أن تنظر حولك فتكتشف أن دائرة العمر تضيق، وأن ريحة زمان لم تعد بيتًا قديمًا أو شارعًا أو رقم تليفون، بل أصبحت وجوهًا قليلة جدًا، تخشى عليها من الغياب».
وأشار إلى أن من بين أقرب الأشخاص إلى قلبه صديقيه أحمد وعبد الحميد، موضحًا أنهما ليسا مجرد صديقين، بل «قطعتان من عمره»، حيث جمعتهما سنوات طويلة من الذكريات منذ المدرسة والشباب، وشهدا معه أحلامه الأولى وأفراحه وانكساراته.
وعن صديقه أحمد، طبيب الأطفال، قال الليثي إنه كان بمثابة فرد من أفراد أسرته، وعاش معه مراحل ميلاد أبنائه وطفولتهم، مستعيدًا مواقف كان يلجأ إليه فيها للاطمئنان على أبنائه عند مرضهم.
وأضاف: «كم رفعت سماعة الهاتف مذعورًا أقول له: الحقني يا أحمد.. ياسمين سخنة، أو تعالَ يا أحمد.. شريف بيكح، وكان يأتي ويطمئنني، ويعيد الهدوء إلى قلبي قبل أن يعيده إلى البيت».
وتابع أن السنوات مرت وكبر الأبناء وكبر معهم، قبل أن يصاب أحمد بالسرطان، قائلًا: «يا لقسوة تبدل الأدوار.. أحمد الذي كنت أستنجد به كلما مرض أحد أبنائي، أصبحت أنا عاجزًا أمام مرضه.. هو الذي كان يخفف خوفي، لم أعد أملك له إلا أن أتصل به كل يوم، أسمع صوته، وأطمئن عليه، وأدعو الله في سري أن يخفف ألمه ويمنحه القوة».
وكشف الليثي أيضًا عن إصابة صديقه الآخر عبد الحميد بالسرطان، موضحًا أنه تلقى منه رسالة مؤثرة قال فيها: «إزيك يا حبيبي.. أنا الحمد لله.. جالي سرطان.. أنا راضي يا عمرو.. الحمد لله».
وقال الليثي إنه توقف طويلًا أمام عبارة «أنا راضي»، متسائلًا عن القوة التي يحتاجها الإنسان ليكتب هذه الكلمات وهو يواجه الألم، مضيفًا: «وجدت نفسي فجأة بين أحمد وعبد الحميد.. صديقيَّ اللذين حملا معي العمر، وكأن المرض امتدت يده إلى آخر ما بقي لي من زمن جميل أخشى فقدانه».
وأشار إلى أن مرض ابنته في الوقت نفسه، إلى جانب مرض صديقيه ورحيل كثير ممن أحبهم، جعله يعيد النظر في كثير من حسابات الحياة، قائلًا: «هنا فقط تسقط أشياء كثيرة من حسابات الإنسان.. ما قيمة منصب؟ وما قيمة مال؟ وما قيمة خصومة انتصرنا فيها أو معركة أضعنا أعمارنا نخوضها؟ الحياة في النهاية ليست ما جمعناه، بل مَن بقي معنا ونحن نجمعه».
واختتم عمرو الليثي رسالته بالدعاء لأصدقائه وابنته وكل مريض، قائلًا: «أحمد وعبد الحميد.. لا أملك لكما إلا الدعاء، لكنني أملك أن أقول لكما اليوم ما ربما لا نقوله لأصدقائنا كثيرًا: أنتما لستما صديقين في حياتي.. أنتما جزء من حياتي نفسها.. اللهم اشفِ أحمد وعبد الحميد، واشفِ ابنتي وكل مريض، وارحم من رحلوا عنا، وعلمنا، قبل فوات الأوان، أن نحب من بقي كما نشتاق إلى من رحل».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض