من قلب وزارة الخارجية
حين يصبح التاريخ الأرمني جزءًا من ذاكرة مصر
استقبل أمس الخميس الدكتور بدر عبدالعاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، ممثلي عدد من المنظمات والمؤسسات الأرمنية في مصر ضم الوفد بعض رموز المصريين من أصول أرمينية، تقديرًا لإسهاماتهم الممتدة في مسيرة بناء الدولة المصرية.
وخلال الزيارة، أُتيحت فرصة مميزة للاطلاع على معرض توثيقي أقامته الوزارة حول دور المصريين الأرمن في تاريخ مصر الحديثة؛ معرض لا يقدم تاريخ الجالية الأرمنية من منظورها الخاص فحسب، بل يستعيده من خلال صور ووثائق ومقتنيات مرتبطة مباشرة بمؤسسات الدولة وشخصيات أرمنية أسهمت في مسيرة مصر الحديثة.
وتكتسب هذه الزيارة دلالة خاصة مع مرور 200 عام على بداية العمل المؤسسي للشؤون الخارجية المصرية عام 1826، عندما أنشأ محمد علي باشا ديوان التجارة والأمور الإفرنكية، وأسند إدارته إلى بوغوص بك يوسفيان، والذي أصبح النواة الأولى للعمل الخارجي المنظم في مصر.
يبرز المعرض بوغوص بك يوسفيان باعتباره اول وزير خارجية لمصر و أحد أبرز الشخصيات الأرمنية في تاريخ الإدارة المصرية الحديثة. فقد تولى عام 1826 إدارة ديوان التجارة والأمور الإفرنكية، الذي تطور لاحقًا إلى مؤسسة الشؤون الخارجية المصرية، و قد اهدت الجمعية الخيرية الأرمنية تمثال نصفي لبوغوص بك يوسفيان لعرضه في متحف الخارجية المصرية و هو من عمل الفنان و النحات المصري الأرمنى المعروف سركيس طوسونيان .
ومن بعده، يوثق المعرض أسماء أرمنية تولت مواقع بارزة في إدارة الشؤون الخارجية، من بينها أرتين بك تشراكيان، واستيفان بك ديمرجيان، ونوبار باشا نوباريان، وتيغران دابرو باشا.
أما نوبار باشا، فقد تجاوز دوره المجال الدبلوماسي، إذ أصبح عام 1878 أول رئيس لمجلس النظار عند تشكيل أول مجلس وزراء مصرى، إلى جانب توليه نظارة الخارجية.
ومن أكثر ما يلفت النظر في المعرض أنه لا يكتفي بعرض الأسماء، بل يقدم وثائق ومقتنيات تمنح هذه الصفحات التاريخية بعدها المادي والإنساني، من بينها صورة بوغوص بك يوسفيان، وتوقيع تيغران دابرو باشا على اتفاق تجاري وملاحي بين مصر وإيطاليا عام 1892، ووثائق وأختام الجمعية الخيرية الأرمنية العامة في القاهرة، وبراءة اختراع باسم بوغوص نوبار في باريس عام 1898، إلى جانب مراسلات ووثائق مرتبطة بنوبار باشا ومذكراته.
ومن بين الكنوز التي احتفى بها المعرض، كان اعطاء مكان بارز من أعمال فنان الكاريكاتير الأرمني المصري الشهير ألكسندر صاروخان، أحد أبرز الأسماء التي تركت بصمتها في تاريخ الصحافة والكاريكاتير في مصر. فلم يكن صاروخان مجرد فنان يرسم الكاريكاتير، بل كان شاهدًا بصريًا على عصره؛ عبّر بريشته عن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها مصر والعالم، وجعل من الكاريكاتير وسيلة للتعبير والنقد وتوثيق الحياة العامة. تم إهداء الاعمال من قبل عائلة الفنان و حفيدته السيدة سيلفا بلاديان.
وفي هذا السياق، صرح د. أرمين مظلويان، رئيس الهيئة الوطنية الأرمنية في مصر، عن خصوصية التجربة المصرية الأرمنية، مؤكدًا أن الوجود الأرمني في مصر ليس مجرد فصل من تاريخ جالية، وإنما هو جزء من تاريخ مصر الحديثة ومسيرتها الوطنية.
وقال إن هذه التجربة قامت على الاحترام المتبادل والمواطنة والمشاركة الفاعلة في بناء الوطن؛ فقد استطاع الأرمن الحفاظ على لغتهم وكنائسهم ومدارسهم ومؤسساتهم الثقافية، وفي الوقت نفسه أن يكونوا مصريين كاملين، يشاركون في بناء الدولة ونهضتها.
وأكد مظلوميان أن «المواطنة الحقيقية لا تعني التخلي عن الهوية، كما أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانفصال عن الوطن»، مشيرًا إلى أن التجربة المصرية الأرمنية قدمت نموذجًا يجمع بين الاعتزاز بالجذور والوفاء للوطن، وبين الحفاظ على الخصوصية الثقافية والمشاركة الكاملة في المجتمع المصري. وأضاف أن رؤية هذا التاريخ موثقًا داخل وزارة الخارجية المصرية و اطلاق بريد مصري تذكاري بهذه المناسبة حاملاً صورة بوغوص بك يوسفيان تحمل دلالة خاصة، لأن مساهمة شخصيات مثل بوغوص بك يوسفيان ونوبار باشا وأرتين تشركيان واستيفان ديمرجيان وتيغران دابرو باشا أصبحت جزءًا من الذاكرة المؤسسية للدولة المصرية.
وأضاف الدكتور أرمن مظلوميان أن هذا المعرض، بما يحمله من وثائق وصور وأسماء، يمثل أكثر من استعادة للماضي؛ إنه تأكيد على أن صفحات من تاريخ الأرمن في مصر أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية الموثقة.
وفي كلمته تقدم المطران كريكور اغوسطينوس كوسا أسقف الأرمن الكاثوليك في مصر بخالص التهنئة إلى وزارة الخارجية المصرية بمناسبة مرور مئتي عام على تأسيس العمل المؤسسي للشؤون الخارجية المصرية عام 1826، متمنيًا للوزارة والقائمين عليها دوام النجاح في أداء رسالتها الوطنية والدبلوماسية، وخدمة مصر ومصالحها وتعزيز علاقاتها مع مختلف دول العالم.
وفي نهاية الجولة أهدي رئيس الجمعية الخيرية الأرمنية د جورج سيمونيان درع الجمعية إلى الدكتور بدر عبدالعاطي.




تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض