7 مليارات جنيه ميزانية الوزارة للوجبة المدرسية
فتنة «اللانش بوكس»
أسبوع دراسة بلا وجبات مدرسية.. والأمهات فى مشكلة يومية بسبب ساندوتشات المدرسة
ارتفاع الأسعار أدى إلى زيادة الاعتماد على النشويات الرخيصة.. والسوشيال وضعت آلاف الأسر فى موقف حرج
خبراء: التقزم والسكرى وأمراض المفاصل والعظام كوارث تنتظر فلذات الأكباد بسبب الطعام غير الصحي
فى تمام الخامسة فجرًا، وقبل أن تنبض الشوارع بالحياة، تدور معركة صامتة داخل آلاف المنازل المصرية، تسرق الأمهات دقائق للوقوف أمام ثلاجات تكاد تنطق بالشكوى لتجهيز ما يُعرف باللانش بوكس أو حقيبة الطعام المدرسية، فى ظل غياب الوجبة المدرسية التى خصصت لها وزارة التربية والتعليم حوالى 7 مليارات جنيه هذا العام، بينما تجد آلاف الأسر نفسها مضطرة لدفع مئات الجنيهات يوميا لشراء الخبز الفينو والجبن ومستلزمات اللانش بوكس، الذى تحول مع مرور السنوات من مجرد وعاء يضم ساندوتش، إلى صندوق غامض تحكمه معادلة مستحيلة الأطراف حول كيفية إطعام الطفل طعامًا صحيًا ومُشبعًا فى ظل ميزانية تتآكل يوميًا بفعل تضخم الأسعار، وبينما تلهث الأمهات خلف بدائل رخيصة يقف أطفال عاجزون فى طابور الصباح لتتحول وجبة المدرسة من حق أصيل إلى عبء يهدد الأمن الغذائى والصحى لجيل كامل.
ضغوط يومية تواجهها الأمهات لحرصهن على تقديم وجبة متكاملة ومغذية بينما يفرض الغلاء قيودًا قاسية أدت إلى تراجع جودة وكمية الوجبة واضطرار الكثير منهن للاستغناء عن البروتينات والفاكهة الطازجة والاعتماد المبالغ فيه على النشويات والسكريات الرخيصة لإشباع الطفل بأقل تكلفة.
الكارثة الحقيقية بحسب المتخصصين، تكمن فيما تفعله هذه الوجبات الفقيرة للعناصر الغذائية بعقول وأجساد أطفالنا حيث يؤدى الاعتماد المفرط على النشويات والسكريات والوجبات الخالية من البروتينات والفاكهة إلى تفشى أمراض سوء التغذية، وأبرزها الأنيميا الحادة نتيجة نقص الحديد والفيتامينات مما يظهر فى صورة شحوب وخمول دائم وعدم القدرة على صعود السلم وصعوبة بالغة فى التركيز، إضافة إلى التقزم وسوء النمو البدنى المرتبط بنقص البروتين الحيوانى والعناصر الغذائية فى سنوات التكوين الأولى، والسمنة الكاذبة نتيجة اعتماد الأطفال على الأغذية المليئة بالنشويات والدهون المتحولة التى ترفع معدلات الإصابة بالسكرى بالإضافة إلى مشاكل المفاصل.
تروى كوثر أحمد، أم لثلاثة أطفال فى مراحل التعليم الأساسى وزوجها موظف محدود الدخل، كيف تقضى ليلها تفكر فى تدبير وجبة الغد لأن راتب زوجها البسيط لا يكاد يغطى إيجار الشقة والفواتير والدروس الخصوصية وما يتبقى منه تلتهمه وجبات المدرسة.
وقالت إنها كانت قديمًا تضع الجبن الطبيعى والبيض والفاكهة الطازجة بينما تضطر اليوم آسفة للاعتماد على أرخص البدائل كسندوتشات البطاطس المهروسة أو الجبن رخيص الثمن لملء بطون أبنائها لكى لا يشعروا بالجوع طوال ساعات اليوم الدراسى الطويل، رغم علمها التام بأنها سكريات ونشويات خالية من القيمة الغذائية الحقيقية.
تشاركت هناء إبراهيم، وهى أم لطفلين، المعاناة من زاوية نفسية واجتماعية مؤلمة تحكى فيها عن طفلها الأصغر الذى يعود أحيانًا يبكى بحرقة لأنه يرى زملاءه يتناولون الفواكه والمخبوزات باهظة الثمن بينما يقتصر طعامه على ساندوتش بسيط من الحلاوة الطحينية أو المربى الرخيصة.
«ساعات بعيط من الحزن على ابنى والضغوط اللى بعيش فيها مع الميزانية».. تستكمل الأم حديثها قائلة: إن الضغط النفسى الذى تتعرض له الأم يفوق الضغط المادى لأنها تشعر بالتقصير رغم بذلها قصارى جهدها واضطرارها لقطع بنود كاملة من ميزانية المنزل كاللحوم والأسماك والاكتفاء برائحتها لنستطيع توفير تكلفة اللانش بوكس، بينما تحكى السيدة مروة حسن، وهى أم عاملة قائلة: «ما يزيد الطين بلة هو الكانتين المدرسى الذى يغرى الأولاد بمقرمشات مصنعة ضارة بأسعار استغلالية تجبرها على إعطاء مصروف كبير لابنها تخشى تأثيره الصحى والمالى على حد سواء».
ليست رفاهية
«وجبة المدرسة ليست رفاهية.. ولن نسمح بأن يتحول أطفالنا إلى ضحايا لثقافة الأكل الفارغ» بهذه العبارة الحاسمة، استهلت الدكتورة انتصار سعد، استشارى التغذية بجامعة عين شمس، حديثها حول أزمة «اللانش بوكس» المدرسى وما تواجهه الأسر المصرية اليوم من تحديات قاسية فى ظل موجات الغلاء المستمرة، موضحة أن حقيبة الطعام الخاصة بالطفل تحولت من أداة لبناء عقله وجسده إلى صداع يهدد سلامته الصحية والبدنية. وأكدت أن التغذية السليمة ليست ترفًا أو خيارًا يمكن الاستغناء عنه، بل هى الركيزة الأساسية لنمو الطفل المعرفى والعضلى، وحين تختل هذه القاعدة، فإننا نضع أجيالًا كاملة على خط النار الصحى.
وأوضحت استشارى التغذية بجامعة عين شمس أن المكونات الأساسية والمفترضة لأى «لانش بوكس» صحى يجب أن تتوازن فيها العناصر الكبرى دون تعقيد؛ فهى لا تحتاج بالضرورة إلى أغذية مستوردة باهظة الثمن، بل تعتمد على مصادر الطاقة. لذلك يجب أن يحتوى اللانش بوكس على حصة من البروتين مثل البيض المسلوق، أو قطع الجبن الطبيعى غير المصنع، أو فول مدمس منزلى الصنع. بالإضافة إلى النشويات المعقدة كخبز الحبة الكاملة أو الخبز البلدى المدعم الذى يمد الطفل بطاقة متدرجة ومستقرة طوال اليوم الدراسى، كما شددت على ضرورة وجود عنصر حيوى يتمثل فى الخضراوات الطازجة الغنية بالألياف مثل الخيار أو الجزر أو الطماطم، إلى جانب ثمرة فاكهة موسمية بسيطة، وكوب من الماء النظيف أو الحليب إن أمكن، لضمان دعم الجهاز المناعى وتحسين التركيز والانتباه داخل الفصل.
وحذرت الدكتورة انتصار سعد بشدة من اللجوء إلى «الاسترخاص» أو الاعتماد على الوجبات الرخيصة وسريعة التحضير التى تلجأ إليها الأمهات هربًا من ضغط الأسعار؛ مثل الأغذية المليئة بالنشويات المكررة، والسكريات المصنعة، واللحوم المصنعة رخيصة الثمن، والمعجنات المقلية فى زيوت بشكل متكرر.
وأكدت أن هذه البدائل الاقتصادية الخادعة تسبب أضرارًا كارثية على صحة الأطفال، أبرزها الإصابة بالأنيميا الحادة وفقر الدم نتيجة غياب الحديد والبروتين، ما ينعكس على شكل شحوب مستمر وخمول وضعف ملحوظ فى التحصيل الدراسى وقدرة المخ على الاستيعاب.
كما نبهت إلى أن هذه الوجبات الفارغة غذائيًا تسهم بشكل مباشر فى الإصابة بالسمنة الكاذبة واضطرابات السكر فى الدم، فضلًا عن تأثيرها السلبى على العظام والنمو، ما قد يؤدى مستقبلًا إلى مؤشرات التقزم وضعف البنية الجسدية.
وأضافت الدكتورة انتصار سعد أن التأثيرات السلبية لهذه الممارسات الغذائية الخاطئة لا تقتصر على الجانب البدنى فحسب، بل تمتد لتضرب الجهاز العصبى والهرمونى للطفل فى مقتل. فالألوان الصناعية والمواد الحافظة والكميات المرعبة من السكريات الموجودة فى الأغذية الرخيصة ووجبات الكانتين تسبب حالات فرط الحركة وتشتت الانتباه ونقص التركيز، وهو ما ينعكس سلبًا على تقييم الطفل المدرسى ويجعله عرضة للتنمر أو الإحباط المستمر نتيجة عجزه عن مواكبة زملائه تحصيليًا.
وشددت استشارى التغذية على ضرورة إدراك خطورة مرحلة النمو الحرجة التى تمر بها أدمغة وأجساد التلاميذ بين سن السادسة والثانية عشرة، حيث تُبنى خلالها الخلايا العصبية والكتلة العضلية بنسبة كبيرة. وحذرت من أن الاعتماد على «سياسة الترشيد الخاطئة» فى الطعام يوفر جنيهًا اليوم ولكنه يكبّد الأسرة والدولة أضعافا مضاعفة غدًا فى عيادات الأطباء وثمن الأدوية والعلاجات المزمنة.
وفى ختام حديثها، وجهت الدكتورة انتصار نداءً لكل أم مصرية تدعوها فيه إلى عدم الاستسلام لشعور الذنب بسبب عدم قدرتها على مجاراة صور السوشيال ميديا للبذخ الغذائى، مؤكدة أن التركيز يجب أن ينصب على القيمة لا المظهر، مع ضرورة تفعيل دور الأسرة فى الابتعاد عن كانتينات المدارس التى تبيع السموم البيضاء والمقرمشات الضارة.
وأشارت إلى أهمية نشر الوعى الغذائى المبسط، وحثت الأمهات على أن يستبدلن بالمنتجات الضارة بدائل منزلية رخيصة ومفيدة مثل الفشار المنزلى بدلًا من المقرمشات المصنعة، وحبات التمر أو المكسرات البسيطة بدلًا من السكريات المصنعة، مؤكدة أن حماية صحة الطفل تبدأ من وعى الأسرة وقدرتها على الاختيار الواعى لا الباهظ.
بين الماضى والحاضر
وعند الحديث عن وجبات الأطفال فى الماضى، نجد مقارنة فارقة ومؤلمة بين ما كان يتناوله الأجيال السابقة وبين ما يقدم لأطفال اليوم تحت ضغط الغلاء؛ إذ لم تكن شنطة المدرسة أو وجبة الطفل قديمًا بحاجة إلى ميزانية باهظة أو ابتكارات معقدة.
وتعليقا على هذا أكد الدكتور ياسر مختار، أستاذ أمراض الباطنة بجامعة أسيوط، أن اختيار الطعام الذى يتناوله الطفل فى المدرسة يجب ألا يكون قائمًا فقط على السعر، لأن الوجبة غير المتوازنة قد تؤثر على صحة الطفل وتركيزه ونشاطه، خاصة مع تكرارها بصورة يومية.
وأوضح أن من أكثر الأطعمة التى يجب على أولياء الأمور عدم الاعتماد عليها بشكل متكرر فى اللانش بوكس، الشيبسى والمقرمشات، الحلويات والبسكويت المحشو، الكيك والباتيه والمخبوزات الصناعية، الوجبات السريعة والمقليات، اللحوم المصنعة مثل اللانشون والسوسيس، بالإضافة إلى المشروبات الغازية والعصائر المحلاة ومشروبات الطاقة، لافتًا إلى أن الإفراط فى تناول الأكلات غير الصحية يمثل مشكلة حقيقية بالنسبة للأطفال والتلاميذ، خاصة عندما تتحول هذه الأطعمة إلى وجبة يومية ثابتة بدلًا من الطعام المتوازن.
وأضاف أن هذه العادات الغذائية قد تؤدى مع الوقت إلى زيادة الوزن والسمنة، واضطراب مستويات السكر والدهون فى الدم، وارتفاع ضغط الدم، كما قد تزيد مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة مستقبلًا.
وأشار إلى أن المشكلة لا تتوقف عند الأضرار الصحية بعيدة المدى، فالطفل الذى يعتمد على الأطعمة عالية السكر والدهون ويفتقر إلى الوجبة المتوازنة قد لا يحصل على الطاقة والعناصر الغذائية بصورة مناسبة خلال اليوم، وهو ما قد ينعكس على نشاطه وقدرته على التركيز. موضحا أن الأدلة العلمية تشير إلى ارتباط تناول الوجبات الخفيفة غير الصحية لدى الأطفال بنتائج دراسية أقل، وإن كان الأداء الدراسى يتأثر بعوامل متعددة وليس بالغذاء وحده.
وأكد أن توفير وجبة بسيطة ومتوازنة من أطعمة المنزل أفضل من إنفاق أموال يومية على منتجات مصنعة لا توفر للطفل احتياجاته الغذائية الأساسية، مشددًا على أن الهدف ليس منع الطفل من تناول هذه المنتجات نهائيًا، وإنما عدم جعلها الأساس اليومى لغذائه.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض