فى السياسة الدولية، لا تُقاس مكانة الدول بحجمها الجغرافى وحده، ولا بعدد ما تمتلكه من أدوات القوة التقليدية، وإنما بقدرتها على الحضور والتأثير، وبمدى ما تحظى به من ثقة واحترام لدى الأطراف المختلفة، وبقدرتها على أن تكون جزءاً من صناعة الحلول عندما تتعقد الأزمات.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الحراك المصرى المكثف خلال الأيام الماضية، الذى عكس بوضوح مكانة مصر الإقليمية والدولية، وثقلها السياسى، ودورها المتوازن فى التعامل مع قضايا المنطقة والعالم.
فما بين مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى قمة تجمع «بريكس» فى نيودلهى، ولقاءاته مع عدد من قادة العالم، ثم استقبال القاهرة لولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب استقبال الرئيس الفلسطينى محمود عباس، تتأكد حقيقة أساسية: مصر حاضرة عندما تكون قضايا المنطقة على مائدة البحث، وصوتها مسموع عندما يتعلق الأمر بالأمن والاستقرار والسلام.
ولعل اللافت فى التحرك المصرى أنه لا يتحرك فى اتجاه واحد، ولا يرتبط بمحور دون آخر، وإنما يقوم على سياسة تقوم على الانفتاح والتوازن والحفاظ على المصالح الوطنية، مع التمسك بثوابت مصر تجاه قضايا الأمن القومى العربى والقضية الفلسطينية وأمن الممرات المائية ورفض توسيع دائرة الصراع.
وفى قمة «بريكس»، ظهر الحضور المصرى فى إطار أوسع من العلاقات الثنائية؛ فمصر أصبحت عضواً فى تجمع يمثل مساحة مهمة للحوار الاقتصادى والسياسى بين دول كبرى ودول الجنوب العالمى. وقد أتاحت القمة للرئيس السيسى لقاء عدد من القادة، بينهم الرئيس الروسى فلاديمير بوتين والرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، بما يعكس تعدد دوائر الحركة المصرية فى السياسة الخارجية.
ثم جاءت زيارة ولى العهد السعودى إلى القاهرة لتؤكد خصوصية العلاقات المصرية السعودية، وتفتح مساحة للتنسيق بشأن ملفات إقليمية شديدة الحساسية، وفى مقدمتها أمن البحر الأحمر وحرية الملاحة والتطورات فى اليمن. وهى ملفات لا تتوقف آثارها عند حدود المنطقة، وإنما تمتد إلى التجارة العالمية وأمن الطاقة والاقتصاد الدولى.
أما القضية الفلسطينية، فتظل فى صدارة أولويات السياسة المصرية، وهو ما ظهر مجدداً فى استقبال الرئيس السيسى للرئيس محمود عباس، والتأكيد على استمرار التنسيق المصرى الفلسطينى، ورفض التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، ومواصلة الجهود المرتبطة بوقف الحرب والتعافى المبكر وإعادة الإعمار.
وهنا تظهر قيمة الدور المصري؛ فالقاهرة لا تتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها أحداثاً منفصلة، وإنما تنظر إليها باعتبارها ملفات مترابطة تمس الأمن القومى العربى والاستقرار الإقليمى والاقتصاد العالمى.
القوة الحقيقية فى السياسة ليست دائماً فى ارتفاع الصوت، وإنما فى القدرة على إدارة الاختلاف، والحفاظ على المصالح، وفتح أبواب الحوار، والتحرك فى اللحظة المناسبة.
وهذا ما يفسر جانباً من طبيعة التعامل الدولى مع القاهرة؛ فمصر بحكم موقعها الجغرافى، وثقلها العربى، ودورها الإفريقى، وصلاتها الدولية المتنوعة، تظل دولة يصعب تجاوزها عند مناقشة قضايا المنطقة.
ومن هنا الحضور المصرى المتزايد لا ينبغى أن يُقرأ فقط من خلال عدد الزيارات أو اللقاءات الرئاسية، وإنما من خلال طبيعة الملفات التى تُناقش فى القاهرة، والأطراف التى تتواصل معها، والمساحات التى تتحرك فيها الدبلوماسية المصرية.
فحين يأتى قادة ومسئولون كبار إلى القاهرة لبحث ملفات الأمن الإقليمى، وحين يتحرك الرئيس المصرى بين عواصم العالم للمشاركة فى قمم كبرى ولقاء قيادات دولية، فإن الرسالة الأهم هى أن مصر تمتلك أوراقاً سياسية وحضوراً تاريخياً وجغرافياً يجعلها طرفاً أساسياً فى معادلات المنطقة.
وتبقى الحكمة فى إدارة هذا الدور هى التحدى الأكبر؛ لأن المنطقة تمر بمرحلة بالغة التعقيد، تتداخل فيها الصراعات العسكرية مع المصالح الاقتصادية وأمن الطاقة والممرات البحرية وإعادة تشكيل النظام الدولى.
وفى وسط كل هذه التحولات، تبدو مصر حريصة على أن تكون دولة استقرار لا دولة صراع، ودولة حوار لا دولة قطيعة، ودولة تسعى إلى الحلول السياسية كلما كان ذلك ممكناً.
إن قوة مصر ليست وليدة اللحظة، وإنما هى تراكم تاريخ وجغرافيا ودور عربى وإفريقى، يضاف إليه فى الوقت الراهن نشاط دبلوماسى واسع، ورؤية تسعى إلى حماية المصالح المصرية مع الحفاظ على دور القاهرة فى محيطها العربى والإفريقى والدولى.
مصر عندما تتحدث عن قضايا المنطقة، لا تتحدث من موقع المتفرج، وإنما من موقع الدولة التى تدرك أن استقرار محيطها جزء من أمنها، وأن مسئوليتها التاريخية تفرض عليها أن تظل حاضرة فى صناعة المستقبل.
وهكذا يقدم المشهد خلال الأيام الماضية صورة واضحة لمصر التى تتحرك فى دوائر متعددة، وتستقبل قادة العالم، وتشارك فى أكبر التجمعات الدولية، وتناقش أصعب ملفات المنطقة، محتفظة بثوابت سياستها الخارجية وبقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف.
وفى عالم تتغير فيه التحالفات وتتسارع فيه الأزمات، تظل إحدى أهم نقاط قوة مصر هى أنها تعرف قيمة موقعها، وتدرك ثقل دورها، وتتعامل مع المتغيرات بعقل الدولة وحسابات القيادة المسئولة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض