رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

يا خبر!

قبل أيام كنت فى زيارة إلى كلية الدراسات الأسيوية العليا بجامعة الزقازيق, والتقيت الأستاذ الدكتور فتحى العفيفى أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر ووكيل الكلية لشئون الدراسات العليا وهو العالم الجليل وأحد أبرز وأهم المتخصصين فى الشأن الأسيوي, وأهدانى أحدث نسخة من «التقرير الاستراتيجى الآسيوى» وللعلم التقرير منذ بداية صدورة فى العام 2022 وحتى الآن يعد أول عمل أكاديمى وبحثى رائد يصدر بمبادرة وجهد وتكلفة شخصية من الدكتور العفيفى ليرصد الواقع الإقليمى والتحولات الجيوسياسية الشاملة فى القارة الصفراء وتأثيراتها المباشرة على قضايا الأمن القومى العربى والمصرى.
جاء إطلاق التقرير بعد أكثر من ثلاث سنوات من البحث والدراسة المعمقة والتحليلات المتخصصة، حيث احتفت به الأوساط الأكاديمية والبحثية كمرجع استراتيجى يسد فراغاً كبيراً فى المكتبة العربية ويمد صناع القرار برؤى استشرافية دقيقة.
يضم التقرير خمسة عشر قسما تتميز بالشمولية المنهجية، حيث جرى تقسيمه بدقة وثراء علمى برزت منها عدة محاور رئيسية تعكس جوهر الرؤية الاستراتيجية المعاصرة.. انطلق التقرير فى قسمه الأول متسائلاً «لماذا التقرير الاستراتيجى الآسيوى؟»، مستعرضاً نموذجاً منهجياً يؤصل للتفكير السياسى المعاصر، ولا سيما التوجه الخليجى والإقليمى المتسارع لبناء تحالفات وروابط تاريخية تقوم على ركيزتين أساسيتين هما القوة الناعمة والمجال الحيوى لتوسيع رقعة التأثير بينما أفرد القسم الثانى مساحة لتحليل ملامح الاضطراب الأمنى الذى يعصف بالعالم، راصداً الحروب المفتوحة والنزاعات الإقليمية التى تعيد تشكيل توازنات القوى وتفرض على الدول شواغل أمنية جديدة، بينما ركز التقرير فى قسمه الثالث على رصد وتقييم الأبحاث والدراسات المتقدمة التى أسهمت بشكل عملى فى صياغة المشهد السياسى والاقتصادى داخل القارة الآسيوية خلال السنوات القليلة الماضية.. ويمثل القسم الرابع المعنون بـ«البعد الآسيوى فى السياسة الخارجية المصرية» ركيزة مهمة ناقش من خلالها التقرير كيف تنظر الدبلوماسية المصرية إلى الشرق، وسبل تعميق الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية مع القوى الآسيوية الصاعدة بما يخدم المصلحة الوطنية العليا.. وتعرض التقرير فى قسمه الخامس لقضية العدد (الذكاء الاصطناعى والتفكير الاستراتيجى) حيث ناقش بتعمق تأثير العصر الرقمى، عبر شواهد تدل على ما تقدمه خوارزميات الذكاء الاصطناعى فى توجيه وصناعة قرارات التفكير الاستراتيجى المعاصر, وحتى القسم الخامس عشر تميز التقرير بالدقة العلمية والمنهجية والمعلوماتية الوفيرة
لم يقتصر تقرير الدكتور فتحى العفيفى على رصد التحولات السياسية العامة، بل غاص فى تفاصيل القضايا الحيوية التى تمس صميم العمل القومى والأمنى، ومن أبرز الملفات التى تضمنها: مستقبل القضية الفلسطينية: دراسة المتغيرات الدولية والإقليمية المحيطة بها وطبيعة الدعم والمواقف الآسيوية من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى.. وكذلك قضية مواجهة الإرهاب وأمن المعلومات حيث رصد إشكاليات الفكر المتطرف فى مناطق غرب آسيا، وأزمة الخطاب السياسى للتنظيمات الإرهابية، مع التركيز على تكنولوجيا المعلومات كأداة دفاعية مهمة لمكافحة الإرهاب الرقمى وحماية الأمن المعلوماتى للدول.. كما قدم التقرير تحت عنوان: «التعايش والتعددية وثقافة السلم» قراءة فى التجارب الآسيوية الناجحة فى التعددية والتعايش السلمى، لا سيما فى دول جنوب شرق آسيا، ودور بحوث الأديان ومقارنة التجارب فى تجديد الخطاب الدينى وترسيخ قيم السلم المجتمعى.. واشتمل التقرير على تحليلات ثقافية وإعلامية للحروب حيث رصد ووثق دور الآلة الإعلامية فى الحروب الخارجية مع مقارنة النماذج الثقافية بين القوى الكبرى كالصين واليابان، وبما أن أمن الطاقة والنموارد صار قضية ملحة فى وقتنا الراهن قدم التقرير تحت عنوان: أمن الموارد الطبيعية والطاقة بحوث ودراسات معمقة حول كيفية تعظيم الاستفادة من الموارد، وحماية أمن الطاقة والغذاء والمياه فى ظل السباق الدولى المحموم على الثروات الطبيعية.
تكمن القيمة الفلسفية والأكاديمية لهذا التقرير فى كونه يتجاوز النمط التقليدى لسرد الأحداث التاريخية، مستفيداً من خبرة الدكتور فتحى العفيفى الطويلة فى دراسة مشكلات الحدود السياسية وتاريخ الخليج وشبه الجزيرة العربية, وهو ما جعل التقرير بمنزلة منصة استشرافية لـ «إدارة التنوع المعرفى» من خلال صهر دراسات التاريخ، والجغرافيا السياسية، والتكنولوجيا الرقمية فى قالب تحليلى واحد.
أتصور أن «التقرير الاستراتيجى الآسيوى» للدكتور العفيفى أسهم فى تقديم قراءة موضوعية مغايرة للشرق، ويوجه أنظار الباحثين العرب نحو الأهمية المتزايدة لبناء تكتلات فكرية وسياسية متينة تواكب الصعود الآسيوى البارز على المسرح العالمى وهو ما جعله لبنة أساسية ومؤشراً واضحاً على قدرة العقل الأكاديمى العربى على المبادرة وتقديم قراءات إستراتيجية مستقلة تعزز الفهم القومى لمتغيرات النظام الدولى.