مادة شائعة في عبوات الطعام قد تؤثر على استجابة الجسم للأنسولين
كشفت دراسة حديثة أن التعرض لفترة قصيرة لمادة «بيسفينول A» (BPA)، المستخدمة على نطاق واسع في بعض مواد تغليف الأغذية والمشروبات، قد يؤدي إلى انخفاض حساسية الجسم للأنسولين، حتى عند التعرض لجرعة تقع ضمن الحدود التي تُعد آمنة حاليًا.

وشملت الدراسة 40 شابًا وشابة من الأصحاء، جرى توزيعهم عشوائيًا على مجموعتين. تناول أفراد المجموعة الأولى جرعة منخفضة من «بيسفينول A» لمدة خمسة أيام، ضمن مستوى التعرض المرجعي الذي تحدده وكالة حماية البيئة الأمريكية، بينما تناولت المجموعة الثانية دواءً وهميًا، مع التزام جميع المشاركين بالنظام الغذائي نفسه.
وبعد خمسة أيام، سجل الباحثون انخفاضًا بنحو 9% في حساسية الأنسولين لدى المجموعة التي تعرضت لـ«بيسفينول A»، في حين شهدت حساسية الأنسولين ارتفاعًا طفيفًا لدى مجموعة الدواء الوهمي.
وتُعد حساسية الأنسولين مقياسًا لمدى استجابة خلايا الجسم لهرمون الأنسولين، الذي يساعد على نقل الغلوكوز من الدم إلى الخلايا. وعندما تنخفض هذه الحساسية، يحتاج الجسم إلى مزيد من الأنسولين للحفاظ على مستويات طبيعية من السكر في الدم، وهو ما قد يرتبط مع مرور الوقت بمقاومة الأنسولين.
وقال تود هاجوبيان، الباحث المتخصص في مرض السكري والمعد الرئيسي للدراسة، إن الفريق البحثي فوجئ بظهور هذا التأثير خلال فترة قصيرة نسبيًا، وباستخدام جرعة منخفضة من المادة.
يرتبط التعرض لـ«بيسفينول A» في عدد من الدراسات السابقة بمشكلات صحية مختلفة، من بينها اضطرابات الخصوبة وبعض أمراض القلب والأوعية الدموية ومقاومة الأنسولين والسكري من النوع الثاني. إلا أن جانبًا كبيرًا من هذه الأدلة جاء من دراسات رصدية أو تجارب على الحيوانات، وهو ما لا يكفي بمفرده لإثبات علاقة سببية مباشرة لدى البشر.
وتكتسب الدراسة الجديدة أهمية إضافية لأنها اعتمدت على تجربة سريرية عشوائية محكومة بدواء وهمي، ما يوفر دليلًا تجريبيًا أقوى على وجود تأثير محتمل للمادة في حساسية الأنسولين.
وكانت دراسة أصغر أُجريت عام 2019 قد أشارت أيضًا إلى أن التعرض لجرعة منخفضة من «بيسفينول A» يمكن أن يؤثر في مستويات الغلوكوز والأنسولين، لكنها لم تحسم ما إذا كان التأثير ناتجًا عن تغير إفراز الأنسولين أم عن انخفاض استجابة الجسم له.
أما الدراسة الأحدث، فأظهرت انخفاضًا واضحًا في حساسية الأنسولين في الأنسجة المحيطية، دون اختلاف واضح في مؤشر حساسية الكبد للأنسولين. ويرجح الباحثون أن يكون التأثير مرتبطًا بعملية استقلاب الغلوكوز في العضلات الهيكلية.
هل يعني ذلك زيادة خطر الإصابة بالسكري؟
لا تثبت النتائج أن «بيسفينول A» تسبب مرض السكري، وإنما تشير إلى أنها قد تؤثر في حساسية الأنسولين على المدى القصير.
كما أن الدراسة اقتصرت على 40 شابًا وشابة من الأصحاء، لذلك لا يزال من غير المعروف ما إذا كانت النتائج تنطبق بالطريقة نفسها على كبار السن أو الأشخاص الذين يعانون من السمنة أو مقدمات السكري أو السكري من النوع الثاني.
ويحتاج الباحثون إلى دراسات أكبر وأطول مدة لتحديد ما إذا كان انخفاض حساسية الأنسولين يستمر مع التعرض المزمن للمادة، وما إذا كان يمكن أن يرتبط بزيادة خطر الإصابة بمقاومة الأنسولين أو السكري.
وتأتي هذه النتائج في ظل استمرار الجدل حول مستويات التعرض الآمنة لـ«بيسفينول A». فقد حددت وكالة حماية البيئة الأمريكية جرعة مرجعية قدرها 0.05 ملليغرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا، بينما اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات أكثر تشددًا تجاه استخدام المادة في مواد ملامسة للأغذية.
وبذلك، تضيف الدراسة الجديدة دليلًا بشريًا تجريبيًا إلى مجموعة متزايدة من الأبحاث التي تبحث في التأثيرات المحتملة للتعرض لـ«بيسفينول A»، لكنها لا تزال لا تجيب عن سؤال تأثير التعرض طويل المدى في خطر الإصابة بالسكري.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض