من واشنطن إلى الخليج.. كيف تعيد التحولات الجيوسياسية تشكيل أمن المنطقة؟
تشهد منطقة الخليج العربي خلال الفترة الأخيرة تحولات جيوسياسية وأمنية متسارعة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتداخل المصالح الدولية مع الحسابات الأمنية للدول العربية، بما يفرض واقعًا جديدًا على خريطة التحالفات والتوازنات في المنطقة. وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه أهمية الخليج باعتباره أحد أبرز مراكز الطاقة والتجارة العالمية، بالتزامن مع استمرار التنافس على النفوذ وتأمين الممرات البحرية الحيوية، فضلًا عن تداعيات الملفات النووية والباليستية وانعكاساتها على أمن المنطقة.
وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى طبيعة الدور الأمريكي في المنطقة، وما يرتبط به من وجود عسكري واستراتيجيات ممتدة، إلى جانب مواقف الدول الإقليمية والقوى الدولية التي تسعى إلى حماية مصالحها وتعزيز مواقعها في مواجهة المتغيرات المتلاحقة. كما تبرز مصر كطرف عربي يركز على حماية الأمن القومي العربي والحفاظ على استقرار المنطقة، مع التأكيد على أهمية التهدئة والحوار والتنمية، ورفض الاعتداءات التي من شأنها توسيع دائرة الصراع.
وقال الدكتور سعد الزنط، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية وأخلاقيات الاتصال، إن التطورات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الخليج العربي تأتي في ظل ظروف إقليمية معقدة، يتقاطع خلالها الوجود العسكري الأجنبي مع الاستراتيجيات الأمريكية الممتدة، بما ينعكس بصورة مباشرة على التوازنات الأمنية ومواقف الدول المحورية في المنطقة.
ثوابت الاستراتيجية الأمريكية
وأوضح الزنط أن التحركات الأخيرة في المنطقة تستند إلى ثوابت استراتيجية أمريكية يجري إعادة صياغتها بما يعزز النفوذ الأمريكي، مشيرًا إلى أن هذه الاستراتيجية تتمحور حول عدد من الملفات الرئيسية، في مقدمتها فرض النفوذ على مناطق الثروات البترولية والمعدنية، وتأمين المضايق والممرات الملاحية الحيوية.
وأضاف أن قناة السويس تظل ضمن الممرات ذات الأهمية الاستراتيجية في الحسابات المرتبطة بحركة التجارة والطاقة، إلى جانب استمرار الالتزام الأمريكي التاريخي بأمن إسرائيل، باعتباره أحد الركائز المؤثرة في توجهات السياسة الخارجية الأمريكية وقرارات المؤسسات التشريعية والتنفيذية.
وأشار إلى أن المواجهات المرتبطة بالملفين النووي والباليستي تمثل بدورها أحد عناصر المشهد الإقليمي، موضحًا أن هذه المواجهات يمكن أن تُستثمر لتحقيق مكاسب جغرافية وسياسية، في وقت أدى فيه تصاعد التوتر إلى استهداف قواعد عسكرية في المنطقة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الحسابات الأمنية لدول الخليج.
مصر والأمن القومي العربي
وفيما يتعلق بالموقف المصري، قال الزنط إن مصر تُظهر موقفًا يرتكز على حماية الأمن القومي العربي دون الانجراف نحو الاعتداء، مع التأكيد على ضرورة تهدئة الأوضاع في المنطقة وتهيئة الظروف اللازمة للتنمية والسلام.
وأكد أن القاهرة ترفض أي اعتداءات من شأنها المساس باستقرار الدول العربية، مشيرًا إلى أن التضامن المصري مع الأشقاء العرب تجسد في خطوات ميدانية ورسائل سياسية واضحة، من بينها الزيارات القيادية التي رافقتها حماية وتغطية من الطيران الحربي المصري، بما يعكس، وفق رؤيته، رسالة مفادها عدم التخلي عن الدول العربية في مواجهة التحديات الأمنية.
وشدد الزنط على أهمية امتلاك القوة القادرة على الردع وحماية الأمن القومي، مع التمسك في الوقت نفسه بمبدأ عدم استخدامها في الاعتداء أو تأجيج الصراعات، معتبرًا أن امتلاك أدوات القوة لا يتعارض مع السعي إلى التهدئة والسلام، وإنما يمكن أن يشكل عنصرًا داعمًا للاستقرار عندما يرتبط بسياسة واضحة في إدارة الأزمات.
ترتيبات أمنية بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة
وحول الترتيبات الأمنية بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة، أشار الزنط إلى وجود مجموعة من المحددات السياسية والاستراتيجية التي قد تحول دون ترجمة هذا التنسيق إلى قوة ردع عسكرية متكاملة.
وأوضح أن الجانب الباكستاني يواجه اعتبارات سياسية داخل البرلمان، إلى جانب مراعاة التركيبة الديموغرافية والاجتماعية داخل المؤسسة العسكرية، فضلًا عن تجنب الانخراط في صراعات إقليمية ذات طابع مذهبي، وهي عوامل يرى أنها تفرض قيودًا على طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه إسلام آباد في أي ترتيبات أمنية إقليمية.
وأضاف أن الموقف التركي يرتبط بدوره بحسابات اقتصادية ومصالح براغماتية، إلى جانب التزامات أنقرة باعتبارها عضوًا في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الأمر الذي يضع حدودًا أمام انخراطها في مواجهة مباشرة مع توجهات الولايات المتحدة.
وفي قراءة أوسع لهذه التحركات، يرى الزنط أن طبيعة الترتيبات الأمنية الجديدة تعكس تراجع فكرة القوة العربية المشتركة لصالح تحالفات فرعية تتشكل وفق المصالح والظروف الخاصة بكل دولة.
وأشار إلى أن التجارب السابقة أظهرت صعوبة الاعتماد على مثل هذه التحالفات بصورة كاملة عند التعامل مع الأزمات الأمنية المباشرة، خاصة في ظل اختلاف الحسابات السياسية والاستراتيجية بين أطرافها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

