هوامش
كل عام ومع موسم جديد من الثانوية العامة، نكون أمام موسم آخر أكثر سخونة خلف الأبواب المغلقة.. موسم القبول بالجامعات الخاصة، حيث يفترض أن تكون المعايير هى المجموع والقدرات والقواعد المعلنة، لكن ما يحدث مهزلة تفتح الباب أمام سؤال شديد الخطورة: هل أصبح المقعد الجامعى سلعة لمن يدفع أكثر؟
القصة ليست عن مصروفات جامعية معلنة يعرفها الجميع، وإنما عن سوق موازية تتحدث عن وسطاء، عمولات، مبالغ للحجز، ووعود بتوفير مقاعد بصرف النظر عن قواعد القبول والمجموع طالما أن الطالب بلغ الحد الأدنى للقبول.
لا نتحدث عن مخالفة عابرة، وإنما عن زلزال يضرب مبدأ تكافؤ الفرص فى التعليم.
إذ كيف يمكن لطالب أن يذاكر عامًا كاملًا، ويقاتل من أجل كل درجة، ثم يكتشف أن هناك من يستطيع بمال أسرته أن يفتح لنفسه طريقًا آخر إلى المقعد الجامعي؟
أى رسالة نرسلها لأبنائنا؟
هل نقول للمتفوق: اجتهد؟ أم نقول له: ابحث عن واسطة؟ هل نقول له إن العلم هو الطريق؟ أم نتركه يعتقد أن الطريق الأقصر هو «ادفع.. تحجز.. تدخل»؟
الأكثر إثارة للقلق أن هذا «البيزنس» لا يبدأ مع ظهور النتيجة، وإنما قبلها أحيانًا، عندما يسابق بعض أولياء الأمور الزمن لحجز أماكن لأبنائهم، خوفًا من ضياع المقعد.
وهكذا يتحول مستقبل الطالب إلى حجز مسبق، والمقعد إلى قطعة أرض يجرى وضع اليد عليها قبل أن يعرف الطالب أصلًا أين سيذهب به التنسيق!
ثم يأتى السؤال الذى لا يجد إجابة واضحة: من يحصل على الأموال؟ وهل كل ما يدفعه ولى الأمر يدخل خزينة الجامعة وفق مستند رسمى؟ ومن يراقب الوسطاء؟ ومن يراجع عمليات الحجز والاسترداد والخصومات؟ ومن يتأكد أن المقعد ذهب بالفعل إلى من تنطبق عليه قواعد القبول؟
والأخطر من ذلك كله أن تتحول عبارة «أسبقية الحجز» من إجراء تنظيمى إلى غطاء يسمح بتجاوز جوهر العدالة التعليمية.
أسبقية الحجز لا يمكن أن تعنى أسبقية المال على العلم. والجامعة الخاصة، مهما كانت طبيعة ملكيتها، ليست سوقًا حرة لبيع المقاعد؛ إنها مؤسسة تعليمية تحمل مسئولية تجاه المجتمع، وتخضع أو يفترض أن تخضع لقواعد وضوابط تضمن نزاهة العملية التعليمية. وليس من المنطق أن يحصد المقعد طالب حصل على الحد الأدنى بينما هناك من حصل على مجموع أعلى منه يقف حائرًا ضمن قوائم الانتظار، فربما ينسحب طالب حصل على فرص عديدة فى جامعات أخرى ليختار ما يناسبه.
فالصمت أمام أى فساد فى قبول الطلاب ليس حيادًا.. وإنما يترك الباب مفتوحًا أمام من يحولون التعليم إلى سبوبة موسمية. والرقابة التى تظهر فى البيانات والتفتيشات والملفات يجب أن تكون موجودة أيضًا عند شباك القبول، حيث تتحرك ملايين الجنيهات، وحيث يقف أولياء الأمور أمام مستقبل أبنائهم وهم فى أضعف حالاتهم النفسية، مستعدين لدفع أى مبلغ خوفًا من ضياع عام دراسى أو مستقبل ابن أو ابنة.
هنا تحديدًا يجب أن تكون الدولة حاضرة.
ليس بالتدخل فى حق الجامعات الخاصة فى تحصيل مصروفاتها القانونية، وإنما بمنع أى سوق سوداء للمقاعد، وملاحقة أى وسيط أو موظف يثبت تورطه فى طلب عمولة أو تسهيل قبول بالمخالفة للقواعد.
نريد قواعد معلنة، ومصروفات معلنة، وإيصالات رسمية، وقوائم قبول يمكن مراجعتها، وآلية واضحة للحجز والاسترداد، وقناة حقيقية للشكاوى والتحقيق فيها.
أما أن يعرف ولى الأمر أن الطريق إلى الجامعة قد يحتاج إلى «شخص يعرف شخصًا»، أو مبلغًا خارج الحسابات الرسمية، فهذه ليست منظومة تعليم محترمة.. هذا إهدار لفكرة العدالة نفسها.
لقد تعبنا من أن يصبح المال مفتاحًا لأبواب يفترض أن تفتحها الكفاءة.
وتعبنا أكثر من أن يدفع المواطن ثمن كل شيء مرتين: مرة من جيبه، ومرة من إحساسه بأن القواعد لا تطبق على الجميع.
التعليم ليس مزادًا.. والطالب ليس بضاعة.. والمقعد الجامعى ليس لمن يدفع أكثر. ومن يثبت أنه جعل من مستقبل الطلاب موسمًا للعمولات والسمسرة، فلا ينبغى أن يحتمى باسم الاستثمار فى التعليم.
افتحوا ملف القبول.. راقبوا الأموال.. اسألوا عن الوسطاء.. واحموا حق الطالب.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للتعليم ليس أن ترتفع مصروفاته، وإنما أن يفقد الطالب إيمانه بأن الاجتهاد وحده يستحق المكافأة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض