رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

الناصية

ذكرتنى التحذيرات من الذكاء الاصطناعى بمخاوف الأولين من الراديو والتليفون ومن بعدهما التليفزيون وتحريم استخدامها باعتبارها رجسًا من عمل الشيطان!

صحيح الذكاء الاصطناعى خطير ويتطور بسرعة، وصحيح هو خطر ويمكن أن يدمر البشرية، ولكنه لن يدمرها بمفرده وإنما بأيادى الإنسان، فالقنبلة النووية التى تمتلكها بعض الدول بالآلاف قادرة على تدمير العالم فى أقل من يوم واحد.. وهى من صنع الإنسان وليس الذكاء الاصطناعي!

والآن كلما خطا الذكاء الاصطناعى خطوة جديدة إلى الأمام، خرجت علينا تحذيرات مخيفة بأنه سيسيطر على البشر، وقد يدمر الحضارة، وقد يستخدم فى حروب بيولوجية، وربما يصل الأمر إلى نهاية العالم!

فهل الذكاء الاصطناعى هو الخطر فعلًا؟ أم أن الخطر هو الإنسان الذى يمسك بهذه التكنولوجيا؟

نحن أمام مفارقة غريبة. الإنسان يخترع التكنولوجيا، ثم يسيء استخدامها، ثم يخاف منها، ثم يتهمها بأنها تهدد وجوده!

من اخترع البارود؟ الإنسان. ومن حوله من أداة إلى سلاح غيّر وجه الحروب؟ الإنسان. ومن طور السلاح حتى وصل إلى القنبلة النووية التى تستطيع فى لحظات أن تقتل أعدادًا هائلة من البشر وتدمر مدنًا كاملة؟ الإنسان. ولم تكن القنبلة النووية هى التى قررت أن تكون مدمرة، ولم يكن البارود هو الذى قرر إشعال الحروب. الإنسان هو الفاعل دائمًا... ثم تأتى التكنولوجيا لتصبح المتهم!

واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي.

لا شك نخشى أن يستخدمه أحدهم فى تطوير أسلحة بيولوجية، أو فى تنفيذ عمليات تخريب، أو فى نشر معلومات مضللة، أو فى شن حروب إلكترونية، ثم نقول إن «الذكاء الاصطناعى يهدد البشرية».

والحقيقة أن الذكاء الاصطناعى لا يحمل فى داخله مفهوم الخير والشر كما يحمله الإنسان. إنه أداة بالغة القوة، وكلما زادت قوتها، أصبح السؤال الحقيقي.. من يستخدمها؟ ولماذا؟

المشكلة ليست فقط فى فساد التكنولوجيا، وإنما فى فساد الإنسان الذى يوجه التكنولوجيا.

فالإنسان يستطيع أن يحول أعظم اختراع إلى وسيلة للخراب إذا تحكمت فيه أطماع السلطة والمال والحرب والانتقام. والأسوأ من ذلك أنه قد يحاول أن يجعل الآلة تفكر بالطريقة التى يفكر بها هو؛ فيزرع فيها تحيزاته وأخطاءه وأكاذيبه، ثم يندهش عندما تعكس الآلة شيئًا من عيوب صانعها!

والذكاء الاصطناعى ليس سببًا لموت ملايين البشر من الجوع، وليس السبب لموتهم من الأمراض ومن الأدوية، إنه الإنسان الذى قد لا يكون فقط من يفسد العالم... بل قد يكون من يفسد الذكاء الاصطناعى نفسه!

والمفارقة أننا نتحدث كثيرًا عن احتمال أن «يستغبي» الذكاء الاصطناعى الإنسان، بينما قد تكون الحقيقة معكوسة تمامًا، وهى أن الإنسان هو الذى يستغبى الذكاء الاصطناعى عندما يغذيه بالمعلومات المضللة، ويوجهه لخدمة أجنداته، ويطلب منه إنتاج الأكاذيب المضللة أو التلاعب بالبشر أو تدمير العالم!

ومع ذلك، لا ينبغى أن نقع فى الطرف الآخر ونستهين بالمخاطر. فالتكنولوجيا القوية تحتاج إلى ضوابط قوية، والذكاء الاصطناعى يفرض بالفعل أسئلة أخلاقية وأمنية وقانونية غير مسبوقة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأسلحة أو البيولوجيا أو المعلومات الحساسة.

لكن الخوف وحده ليس حلًا.

الحل أن نطور التكنولوجيا، ونطور معها أخلاق الإنسان.

والقوانين الحاكمة لاستخدامها، فأخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يصبح الذكاء الاصطناعى أكثر ذكاءً من الإنسان، وإنما أن يصبح الإنسان أكثر قدرة على التدمير من دون أن يصبح أكثر حكمة.. فالشيطان بكل قدراته لا يستطيع القتل، ولكن الإنسان يستطيع!

[email protected]