رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

أناقتك النفسية

هناك بيوت لا يرتفع فيها صوت، ولا يسمع منها شجار، ويبدو كل شيء فيها مستقرا. ومن الخارج قد تبدو نموذجا للهدوء الأسري.
لكن الهدوء لا يعني دائما أن الأمور بخير.

فبعض البيوت هادئة لأن أفرادها تعلموا كيف يتحدثون ويختلفون ثم يصلحون ما أفسده الخلاف. وبيوت أخرى هادئة لأن الجميع، ببساطة، توقف عن الكلام.

الزوج لا يعاتب لأنه تعب من تكرار العتاب. الزوجة لم تعد تشرح لأنها لم تعد تتوقع أن يتغير شيء. الابن يختصر إجاباته حتى لا يتحول كلامه إلى محاضرة، والابنة تقول «مفيش حاجة» رغم أن لديها الكثير لتقوله.
لا توجد خناقة واضحة… ولا يوجد حوار حقيقي أيضا.
هنا يظهر الفرق بين الهدوء الصحي والصمت المتراكم.
الهدوء الصحي لا يعني غياب الاختلاف. معناه أن أستطيع أن أقول: «هذا أزعجني»، وأن أسمع رأي لا يعجبني دون إهانة أو تهديد أو خوف.
أما الصمت المتراكم فيبدأ عندما يتعلم أحد أفراد الأسرة أن الكلام لن يفيد، أو أن ثمنه سيكون أكبر من السكوت. فيتوقف تدريجيا عن الشرح والعتاب والطلب. والمفارقة أن الآخرين قد يفسرون هذا الصمت باعتباره رضا، بينما يكون صاحبه قد فقد رغبته في الحوار من الأساس.

وفي بيوت كثيرة نسمع عبارات تبدو حريصة على الاستقرار: «بلاش نفتح الموضوع»، «خلاص عشان الدنيا تمشي»، «مش ناقصين مشاكل».
وقد تمشي الدنيا بالفعل… لكن المشكلة تمشي ايضا معها.

سلوكيا، تجنب الحديث المزعج يمنح الإنسان راحة سريعة؛ لا مواجهة ولا توتر الآن. ومع تكرار هذه الراحة، يصبح السكوت أسهل في المرة التالية. وهكذا قد تختفي المشاجرات، بينما تكبر المسافة.
فتجد زوجين لا يتشاجران تقريبا، لكن علاقتهما تحولت إلى إدارة للبيت والأبناء والمصروف والمواعيد. أو أبناء يوصفون بأنهم «هادئون ومطيعون»، بينما هم في الحقيقة توقفوا عن إخبار أهلهم بما يحدث داخلهم.
لذلك ربما يكون السؤال الأهم داخل الأسرة ليس: «إحنا بنتخانق كتير ولا قليل؟»
السؤال هو: هل يستطيع كل شخص في هذا البيت أن يقول ما يزعجه دون خوف من السخرية أو الهجوم أو العقاب بالصمت؟
ويمكن البدء بعادة بسيطة: عشر دقائق مرة في الأسبوع يتحدث فيها كل فرد عن شيء أسعده، وشيء أزعجه، وشيء يتمنى تغييره، دون مقاطعة أو استدعاء أخطاء قديمة. عشر دقائق لن تحل كل مشكلات البيت، لكنها قد تمنع الصغير منها أن يعيش شهورا في الصمت حتى يصبح كبيرا.
والصمت نفسه ليس دائما مشكلة. أحيانا يكون تأجيل النقاش حتى نهدأ تصرفا أكثر حكمة. الفارق أن الهدوء يؤجل الكلام إلى وقت أفضل، والتجنب يؤجله كل مرة.

أناقتك النفسية تعني أن يكون في البيت من الأمان ما يسمح لأفراده بأن يختلفوا ويتكلموا ويعتذروا ويصلحوا ما يمكن إصلاحه.
فالبيت الآمن ليس البيت الذي لا يسمع فيه صوت خلاف… هو البيت الذي لا يحتاج أحد فيه إلى الصمت حتى يحافظ على السلام.