رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

من يختار ما الذى يتذكره المصريون وما ينسون؟

محمد الدرة.. من البكالوريا المصرية إلى ذاكرة الأجيال

بوابة الوفد الإلكترونية

فى البدء كانت الصورة؛ هناك صور تبدأ وتنتهى فى اللحظة التى التقطت فيها، وهناك صور لا تنتهى أبداً، قد تغادر مكانها الأول، لكنها تبدأ حياة أخرى فى حياة آخرين، فتنتقل من عدسة إلى صحيفة، وتنتقل الصحيفة من يد إلى يد، ثم من الأيدى إلى الأراشيف، ومن هناك قد تصل إلى كتاب، حتى تستقر فيه... فتكون من الخالدين؛ وصورة محمد الدرة واحدة من هذه الصور.

فى الثلاثين من سبتمبر عام 2000، كانت الكاميرا ترصد طفلاً فلسطينياً يحتمى إلى جوار أبيه خلف حاجز إسمنتى فى غزة. لم يكن الطفل يعرف أن الثوانى التى تفصله عن الموت ستصبح، بعد دقائق، مادة إخبارية يشاهدها العالم، ثم تصمد رمزاً من رموز الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ثم صورة لا تكاد تخلو منها ذاكرة جيل عربى كامل، ولم يكن المصور الذى يقف خلف الكاميرا يعرف، على الأرجح، أن اللقطات التى يسجلها فى ذلك اليوم ستظل تطارده ربع قرن؛ ستناقش وتفسر ويشكك فيها، وستصل إلى ساحات القضاء، وسيطلب منه أن يروى ما رأته عيناه وما سجلته كاميراه.

لكن هل توقفت صورة محمد الدرة عند هذا الحد من العارفين بها؟ لا؛ فبعد ستة وعشرين عاماً، تعود صورة البطل الصغير لتظهر من جديد فى كتاب إخوانه المصريين. بعد أن أدرجت ضمن درس «الانتفاضة الفلسطينية الثانية» فى منهج التاريخ لطلاب الصف الثانى الثانوى بنظام البكالوريا المصرية لعام 2026، لتعرض أمام جيل من الطلاب لم يكن موجوداً عندما دوت الرصاصات التى التقطت الكاميرا صداها، فتتعاظم بذلك مهمة الصورة والدرس.

كان النهار يقترب من نهايته عندما قرر طلال أبورحمة أن يغادر موقع عمله، فمنذ السابعة صباحاً تقريباً، كان المصور الفلسطينى يتنقل فى منطقة «نتساريم»، جنوب مدينة غزة، يتابع الاشتباكات بعد اندلاع الانتفاضة الثانية. كانت مهمته واضحة؛ أن يصور ما يحدث، وأن يرسل الصور إلى القناة الفرنسية الثانية «فرانس 2» التى يعمل معها، وبعد ساعات من التصوير، بدا أن يوم العمل يوشك على الانتهاء، ثم عاد إطلاق النار، فى ذلك الوقت، كان أبورحمة فى الجزء الشمالى من الطريق المؤدى إلى مفترق «نتساريم». ولم يكن يعرف بعد أن الكاميرا التى يحملها ستسجل، خلال دقائق، واحدة من أكثر الصور رسوخاً فى الذاكرة السياسية العربية، كان هناك إطلاق نار من جهات عدة. وبينما كان يحاول أن يحدد ما يحدث، لفت انتباهه شاب كان يختبئ بالقرب منه، قال له: «إنهم يطلقون النار على شخصين هناك؛ انظر».... والتفت أبورحمة لهذا الهناك.

خلف الحاجز الإسمنتى الصغير كان رجل وطفل أصغر، كان أب يحاول أن يحمى ابنه الصبى بجسده؛ ومحمد فى الثانية عشرة من عمره ملتصق به. وبينهما وبين مصدر الطلقات كتلة من الحجرلا تكاد تكفى للحماية، رفع «أبورحمة» الكاميرا من تلك المسافة... لم يكن يعرف كل شىء. لم يكن يعرف من يطلق النار، ولم يستطع حينها أن يحدد مصدر الرصاص بدقة كما قال لاحقاً. لكنه رأى ما يكفى ليعرف أن الرجل والطفل عالقان فى قلب إطلاق النار، فبدأ التصوير؛ كانت الكاميرا تسجل ما تعجز العين عن استيعابه حين تصبح اللحظة أسرع من الفهم، فقررأبو رحمة أن يصور وأن يؤجل الفهم للحظة قادمة. ظهر الأب وهو يحاول الاحتماء بابنه وحمايته فى الوقت ذاته. وحين أظهر ابنه فى المشهد لم يكن يفتدى نفسه به، بل كان يصرخ لعل الإنسانية تعمل عملها: «معى طفل.. معى طفل.. معى طفل». كان محمد واضحاً إلى جوار أبيه، والرصاصات تضرب من حولهما. يحاول الأب الإشارات بيده إشارات لم تؤخر شيئاً من اللحظة، وربما قدمتها. فجاءت دفعة أخرى من النار كانت أشد وأكثر تصويباً نحو الهدف، فاضطربت الكاميرا فى يد المصور وتوقفت الصورة، وسكن كل شىء، إلا من جسد الطفل وهو يسقط فى حضن أبيه، وصرخة الأب المكلوم: «محمممممممممد.....».

ما التقطته الكاميرا فى تلك الدقائق لم يكن مشهداً مكتملاً؛ كان شظايا من واقعة أكبر. اللقطات التى أرسلها «أبورحمة» إلى القدس وصلت إلى مراسل «فرانس 2» شارل أندرلان، الذى اختار منها أقل من دقيقة لتقرير المساء. وبثت القناة المشهد فى الثلاثين من سبتمبر وفى ثلاثين ثانية أيضاً، ثم انتشرت اللقطات سريعاً من حدود غزة إلى العرب وإلى العالم. لم تظهر الكاميرا لحظة وفاة «محمد» نفسها بصورة مباشرة؛ لكنها سجلت الأب والابن تحت إطلاق النار، ثم الطفل ملقى بين ساقى أبيه. ومن هذه الثوانى القليلة خرجت الصورة التى ستعيش حتى يدرسها طلاب الثانوى فى جمهورية مصر العربية فى منهج التاريخ عام 2026.

فى ذلك اليوم، كان محمد الدرة طفلاً يحاول أن ينجو، وكان طلال أبورحمة مصوراً يحاول أن يقوم بعمله الذى اختار، لم يكن أى منهما يعرف أن الكاميرا ستربط مصيريهما إلى الأبد، ولا أن الرجل الذى كان يقف خلفها سيعود بعد سنوات، ليجلس أمام المحققين، ويطلب منه أن يجيب عن سؤال يبدو بسيطاً، لكنه سيصبح أصعب أسئلة الصورة؛ ماذا رأيت يا طلال؟

طلال أبورحمة كان سمع السؤال قبلها كثيراً. ولقد أجاب عنه فى مقابلات وشهادات، وفى التحقيقات التى فتحت بعد الواقعة مباشرة. لكن الوقت لا يجعل الإجابة أسهل دائماً. وأحياناً يفعل العكس؛ وكلما طال عمر صورة «الدرة»، ازدادت الأسئلة حولها، والتفاصيل التى يريد الآخرون معرفتها منها.

فى غرفة التحقيق، لا توجد تلك المسافة التى كانت تمنح المصور حماية الكاميرا، وأنهم لن يكتفوا بإجابته: «كنت أقوم بعملى». هذا لن يكفيهم، عليه أن يتذكر، أين كان يقف تحديداً؟ ماذا رأى قبل أن يبدأ التصوير؟ ماذا سمع؟ من كان يطلق النار؟ هل رأيت مطلق النار يا طلال؟ كم واحداً كانوا؟ كم استمرت الواقعة؟ كم من اللقطات سجلت؟ هل لديك لقطات أخرى لم تذعها؟ ماذا حدث فى اللحظات التى لم تصورها الكاميرا؟ وأين الكاميرا؟ وأين أصل الأفلام التى صورت؟ هذه المرة لم يكن «طلال» هو الذى يوثق الحدث، بل كان هناك من وقف أمامه ليصوره ويسجل كل كلمة ينطق بها كشاهد.

كان «أبورحمة» قد قال فى شهاداته إنه وصل إلى المنطقة منذ الصباح لتغطية الاشتباكات، وظل يصور ساعات قبل أن يقرر المغادرة. ثم عاد إطلاق النار، فعاد إلى قلب الموقع. وحينها لفت انتباهه شاب إلى رجل وطفل يحتميان خلف حاجز إسمنتى، ففتح الكاميرا التى كان قد أغلقها منذ دقائق، وبدأ تسجيل المشهد، لكن التحقيق لم يكن يبحث فقط عن اللحظة التى التقطتها الكاميرا، كان يبحث أيضاً عن اللحظة التى لم تلتقطها، لكن الكاميرا، مهما بدت كاملة، لن ترى كل شىء. فهى ترى من الزاوية التى اختارها المصور، وفى حالتنا تلك، لم تكن لدى المصور رفاهية اختيارالزوايا أو ضبطها، فقد التقطت هى ما سمحت به، وما سمح به الوقت الذى ضغط فيه زر التسجيل، وبالقدر الذى اتسعت له العدسة فقط.

أما كل ما وقع خارج هذا الإطار فهو بحاجة إلى شاهد غير طلال أبوالرحمة، ربما يكون هذا الشاهد، هو ذلك الشاب الذى لفت نظر المصور إلى الدرة وابنه، ولكن لم يتعرف أحد وقتها عليه؛ ولا أين ذهب، ربما وجد وقتها الشاب طريقاً إلى الهرب، وربما أصابت عقله خفة من قسوة وذل ما رأى، وربما كانت روحه عانقت روح الدرة بعد لحظات.

وقتها بدأت الأسئلة تضيق حول «أبى رحمة»، الأسئلة بدت اعتيادية فى أى تحقيق مماثل، لكنها كانت كافية لتحويل الصورة من مشهد إنسانى إلى قضية إعلامية وقضائية وسياسية سوف تمتد سنوات.

وفى الجهة الأخرى، كان هناك رجل آخر يقرأ الصورة بطريقة مختلفة؛ إنه الكاتب الصحفى شارل أندرلان، مراسل «فرانس 2» فى القدس، الذى تلقى المادة المصورة وكتب التعليق الذى رافقها فى تقرير القناة، لم يكن «أندرلان» فى غزة وقتها، وكان يعتمد على ما تحمله الكاميرا إليه، وعلى ما يقصه عليه «أبورحمة»، وعلى ما يمكن فهمه من اللقطات.

وهكذا أصبحت هناك طبقتان من الشهادة؛ رجل التقط من خلف العدسة، وآخر اختار وحلل وعلق على ما كان عليها. ثم جاءت طبقة ثالثة؛ رجال يسألون الاثنين عما حدث، ومع كل سؤال، كانت الصورة التى بدت فى البداية واضحة وبسيطة تصبح أكثر تعقيداً، وهذا التعقيد سيلاحق اللقطة سنوات، وستدخل فى جدل قضائى وإعلامى طويل فى فرنسا وإسرائيل وفلسطين.

لكن ثمة مفارقة أكثر غرابة كانت تتشكل فى مكان آخر، بعيداً عن غرف التحقيق والمحاكم، بينما كان السياسيون يتجادلون حول الصورة وما تثبته، كانت الصورة نفسها تعيش حياة أخرى فى الصحف وعلى الشاشات وفى الملصقات على الجدران، والمظاهرات والوقفات الاحتجاجية، وفى الذاكرة، ثم حدث ما هو أكبر من ذلك كله، صارت الصورة وما جاورها من أحداث تنتظر الطلاب داخل كتاب التاريخ. وهنا؛ لا فى غزة ولا فى غرف التحقيق، يكون السؤال؛ ماذا يحدث حين تصبح الصورة التى اختلف الكبار على تفسيرها، درساً يتلقاه الشباب بوصفه تاريخاً؟

ففى مكان ما من مصر؛ مقاعد متجاورة، ودفاتر مفتوحة، وكتاب تاريخ ينتظر بداية الدرس. ثم تفتح صفحة فتظهر صورته، وتحتها تعريف مباشر: «لحظة إطلاق النار على الطفل محمد الدرة». قد تبدو الجملة عادية وسط صفحات التاريخ المكتظة بالضحايا، لكن وراءها رحلة طويلة، فالطالب الذى يدرس الصورة اليوم لم يكن قد ولد حين اختبأ محمد الدرة خلف أبيه. لم يسمع صوت الرصاص فى ذلك اليوم، ولم يشاهد التقرير التليفزيونى الأول، ولم ينتظر إخبار مساء 30 سبتمبر 2000، ولا كل مساء جاء بعده. لم يكن موجوداً حين خرجت الصورة من غزة لتصبح واحدة من أشهر صور الانتفاضة. ومع ذلك، ها هى أمامه الآن، داخل الكتاب المفترض أن يخبره بما حدث، وسوف يختبر بما فيه.

حين تصل الصور إلى كتب التاريخ، تكتسب وظيفة أجل، فهى تشكل ذاكرة جيل لم يعش الحدث، لكن لماذا محمد الدرة؟ ولماذا هذه الصورة تحديداً؟ ومن قرر أن هذه اللحظة، من بين آلاف لحظات فلسطين خلال عقود أن تظل تلك خالدة؟ وأياً كان من قرر، فقد وجبت له منا التحية.

وقد يمر الطالب على الصورة سريعاً، يقرأ السطر أسفلها ثم ينتقل للتالية، فهى له مجرد درس. لكن على هذا الطالب أن يعلم، أن هذه الثوانى القليلة تحمل خلفها ستة وعشرين عاماً من التاريخ والألم؛ طفل، وأب، ومصور، وتقرير تليفزيونى، وشهادة، وأسئلة، ومحاكمات، وجدال طويل. وربما تكمن قوة الصورة الحقيقية فى أنها لا تحتاج مساحة كبيرة لتعيش طويلاً. فمحمد الدرة الذى كان طفلاً حين التقطت الكاميرا صورته، أصبح الآن أكبر من عمره الذى عاشه. أما الصورة التى بدأت كدقائق من البث التليفزيونى، فقد وصلت إلى مكان أدوم؛ ذاكرة طالب لم يكن قد ولد حين وقعت الواقعة.

وهنا؛ لم يعد السؤال؛ ماذا حدث لمحمد الدرة فى ذلك اليوم؟ فهذا السؤال ظل مطروحاً وستظل حوله روايات وشهادات ونزاعات. السؤال الذى يهمنا الآن؛ ماذا يحدث للصورة حين تنتقل من كونها شاهداً على التاريخ إلى كونها جزءاً من الطريقة التى تتعلم بها الأجيال التاريخ؟ ومن يملك سلطة الإجابة عن سؤال أبعد؛ من يختار ما الذى يتذكره جيل كامل وما الذى عليه أن ينساه؟