رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

في الحروب القديمة، كان الجندي يخشى أن يقع سلاحه في يد عدوه لأنه قد يستخدمه ضده. أما في الحروب الحديثة، فقد يكون الأخطر ألا يستخدمه العدو أصلًا، بل أن يفتحه ويفككه ويدرسه، ثم يسأله: كيف فكّر الذين صنعوك؟

جاءت واقعة استيلاء إيران على المركبة الأمريكية غير المأهولة تحت الماء Dive-LD عند مدخل مضيق هرمز لتعيد هذا السؤال إلى الواجهة. فالولايات المتحدة قالت إن المركبة تعرضت لعطل وإنها لا تحمل بيانات حساسة، بينما قدمت إيران الواقعة باعتبارها استيلاءً على تكنولوجيا أمريكية متقدمة. وهي منصة ذاتية التشغيل تستخدم في مهام بحرية متعددة، منها الاستطلاع ومكافحة الألغام ورسم خرائط قاع البحر.

لكن قيمة ما وقع في أيدي الإيرانيين لا تتوقف عند محتويات المركبة؛ فالتكنولوجيا لا تختبئ كلها في شرائح الذاكرة والبرمجيات السرية. تصميم الهيكل، ونوعية المواد، ونظام الدفع، وأجهزة الاستشعار، وتوزيع المكونات، كلها يمكن أن تكشف شيئًا عن فلسفة التصميم وطريقة عمل المنظومة.

وهنا يظهر المعنى الحقيقي للهندسة العكسية. فهي لا تعني بالضرورة تفكيك سلاح ثم إنتاج نسخة مطابقة منه، وإنما البدء من المنتج النهائي لفهم الطريق الذي سلكه المصمم للوصول إليه. وقد تنجح في تقليد جزء وتعجز عن آخر، لكنك في الحالتين تختصر جانبًا من رحلة البحث والتجربة.

ولإيران تجربة سابقة شهيرة عندما وقعت الطائرة الأمريكية غير المأهولة RQ-170 Sentinel في يدها عام 2011، ثم أعلنت لاحقًا تطوير طائرات مستوحاة منها. ومع ذلك، ظل مقدار ما استطاعت نقله بالفعل من التقنيات الأمريكية المتقدمة موضع نقاش؛ فمحاكاة الشكل الخارجي شيء، والوصول إلى أسرار المواد وأجهزة الاستشعار والاتصالات والبرمجيات المشفرة شيء آخر.

وهنا تبرز ملاحظة لا ينبغي إغفالها. فالتطور الذي وصلت إليه بعض القدرات العسكرية الإيرانية، وقدرتها على الاستمرار والتكيف أمام الإمكانات العسكرية الأمريكية الهائلة، يثير تساؤلًا مشروعًا حول مصادر هذا التطور. فمن الصعب اعتبار الهندسة العكسية وحدها تفسيرًا كافيًا؛ إذ يبدو أن إيران تستفيد، بصورة أو بأخرى، من روافد تكنولوجية حديثة وخبرات ومعارف خارجية، تضاف إلى قاعدة تكنولوجية وصناعية بنتها على مدى سنوات. وليس المقصود الجزم بمصدر بعينه، وإنما الإشارة إلى أن قوة الدول لا تتحدد فقط بما تنتجه، بل أيضًا بقدرتها على الوصول إلى ما ينقصها واستيعابه وتطويعه.

وهكذا لم تعد الحروب الحديثة مجرد مواجهة بالنيران، بل أصبحت أيضًا صراعًا على معرفة أسرار الخصم. فكل منظومة متقدمة تدخل ميدان القتال تحمل قدرًا من المعرفة التقنية التي استغرقت سنوات من البحث والتطوير؛ ولذلك قد تتحول خسارة ميدانية محدودة إلى مكسب معرفي طويل الأجل للطرف الآخر.

والمفارقة أن التقدم نفسه يضاعف حجم المخاطرة؛ فكلما ازدادت المنظومة ذكاءً وتعقيدًا، ازدادت قيمة ما يمكن أن تمنحه لمن يعرف كيف يفككها ويدرسها.

وفي الحرب قد تخسر سلاحًا فتفقد قطعة من قوتك، لكنك حين تضعه في يد خصم يمتلك القدرة على تفكيكه وفهمه، فقد تكون قد منحته ما هو أبقى من السلاح نفسه ؛؛؛ معرفة تساعده على تطوير سلاحه، وربما على اكتشاف نقاط ضعف سلاحك.