رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

حين يُذكر الأمن القومي، يتجه التفكير غالبا ًإلى الحدود والجيوش والسلاح والقدرة على مواجهة الأخطار الخارجية، وهي جميعا ً عناصر أساسية لا خلاف عليها .. لكن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، وإنما كذلك بقدرتها على حماية مجتمعها من عوامل التفكك والاحتقان وفقدان الثقة ؛؛؛ فالأمن الاجتماعي جزء أصيل من الأمن القومي ذاته.

المجتمع هو الجبهة الداخلية للدولة، وكلما كان متماسكًا، يشعر أفراده بالعدل والأمان والانتماء، ازدادت قدرة الدولة على مواجهة الضغوط الخارجية. والعكس صحيح؛ فحين تتسع الفجوات بين فئات المجتمع، أو يشعر المواطن بأن فرص التقدم لم تعد مرتبطة بالعمل والكفاءة، أو يتراجع إحساسه بالأمان تجاه المستقبل، فإن الخطر لا يبقى اجتماعيا ً فقط، بل ينتقل تدريجيا ً إلى دائرة الأمن القومي.
ولا يعني ذلك أن كل أزمة اقتصادية أو اجتماعية تمثل تهديدا ً مباشرا ً للدولة؛ فالمجتمعات تمر بطبيعتها بفترات صعبة وتفاوتات واختلافات. الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الصعوبات المؤقتة إلى شعور مستقر بالعجز، وعندما يفقد الإنسان ثقته في إمكانية تحسين واقعه، أو يشعر بأن المسافة بين ما يبذله وما يحصل عليه أصبحت أكبر من قدرته على الاحتمال.

الأمن الاجتماعي إذن لا يعني غياب المشكلات، وإنما يعني امتلاك المجتمع القدرة على استيعابها دون أن تتحول إلى قطيعة بين أفراده ومؤسساته. وهو يرتبط بالعدالة وتكافؤ الفرص والتعليم والصحة والعمل، لكنه يرتبط أيضا ً بما هو أعمق؛ شعور الإنسان بأن له مكانا ً في وطنه، وأن مستقبله جزء من مستقبل هذا الوطن.

وقد تمتلك الدولة جيشا ً قويا ً ومؤسسات راسخة، لكنها تظل في حاجة إلى رأسمال آخر لا يظهر في الموازنات والأرقام، هو الثقة. فالثقة بين المواطن والدولة، وبين فئات المجتمع بعضها وبعض، هي التي تجعل الناس أكثر قدرة على تحمل الأزمات عندما يدركون ضرورتها، وعلى قبول التضحيات عندما يشعرون بعدالة توزيعها.

ومن هنا تصبح مواجهة الاحتقان الاجتماعي عملا ً وقائياً، لا انتظارا ً حتى تتحول آثاره إلى مشكلة أمنية .. فالدولة القوية لا تكتفي بمعالجة نتائج الأزمة، وإنما تبحث مبكرا ً عن أسبابها؛ تستمع إلى المجتمع، وتقيس درجة رضاه، وتفتح أمام الشباب مسارات حقيقية للعمل والترقي، وتحمي الطبقة الوسطى التي تمثل أحد أهم أعمدة الاستقرار.

ولعل التجربة المصرية في السنوات الأخيرة تقدم مثالا ً واضحا ً على أهمية هذا المعنى؛ فتماسك الجبهة الداخلية والتفافها حول قيادتها كانا من أهم عوامل بقاء الدولة المصرية مستقرة وسط إقليم يموج بالقلاقل والصراعات والانكسارات، وتعرضت فيه دول عديدة للتفكك أو فقدان السيطرة على أجزاء من أراضيها. وما يجري حولنا يؤكد أن الخطر لم ينتهِ، وربما يحمل القادم تحديات أكثر صعوبة، وهو ما يجعل الحفاظ على قوة الداخل المصري ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن الاستعداد لما يأتي من الخارج.

وهنا تبرز مسؤولية الإعلام والأحزاب السياسية المصرية، على اختلاف توجهاتها وتنوع رؤاها، في توعية المواطن بحقيقة ما يدور حوله، وتعزيز ثقته في وطنه ومؤسساته، وفتح المجال أمام الاختلاف المسؤول دون أن يتحول إلى انقسام. فالمواطن الواعي هو الأكثر قدرة على التمييز بين النقد الذي يسعى إلى الإصلاح، والفتنة التي تتخفى وراء الشعارات؛ وبين المعلومة التي تساعده على تكوين موقف، والشائعة التي تستهدف إثارة الخوف والشك والانقسام.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يختلف أفراده، فالاختلاف طبيعي، وإنما أن يفقدوا الإحساس بالمصير المشترك. عندها يصبح المجتمع أكثر قابلية للاستقطاب والاختراق والتأثير الخارجي.
لذلك فإن حماية الحدود ضرورة، وقوة الجيش ضرورة، وتأمين الاقتصاد والمياه والطاقة ضرورة؛ لكن حماية تماسك المجتمع لا تقل عنها أهمية .. فالجبهة التي تتماسك من الداخل يصعب اختراقها من الخارج ؛؛؛ والأمن الاجتماعي ليس هامشا ً في معادلة الأمن القومي، بل أحد خطوط دفاعه الأولى. 
فالتماسك الحقيقي لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالثقة والوعي والشعور بالعدل والمسؤولية المشتركة. ومن هنا يصبح الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية والتفافها حول قيادتها أحد أهم أسرار صلابة الدولة المصرية، وسط بحر من القلاقل والانكسارات والصراعات التي مزقت العديد من دول المنطقة، وربما يكون القادم أكثر صعوبة. وهنا تتضاعف مسؤولية الإعلام والأحزاب المصرية، باختلاف توجهاتها وتنوع رؤاها، في توعية المواطن وتعزيز ثقته بدولته، وحمايته من الفتن والشائعات ومحاولات بث الفرقة؛ لأن الأمن الاجتماعي ليس أمرا ً منفصلا ً عن الأمن القومي، بل هو أحد خطوط دفاعه الأساسية.