رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مبارك وجمال


مبارك وجمال
في السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس مبارك، ظهرت بقوة قضية "توريث الحكم".
المفارقة وقتها أن الرئيس مبارك نفسه لم يعلن أن نجله جمال مبارك سيكون رئيسًا لمصر بعده، كما حدث فى الحالة السورية، بل نفى هذا الطرح أكثر من مرة، كذلك صدر عن جمال نفسه أكثر من نفى مماثل للفكرة، ولم تُطرَح رسميًا على لسان أى مسؤول، باعتبار أنها قرارٌ أو مشروعٌ معلن، بل أذكر أن بعضهم قال أن مصر تختلف عن سوريا.
ورُغمَ ذلك، أصبح "حديث التوريث" من أكثر القضايا حضورًا فى المجال السياسى المصرى.

بدأت المعارضة تتحدث عن رفضها التوريث، وظهرت فى المقابل أصوات وحملات مؤيدة لجمال مبارك، وتناقلت وسائل الإعلام التحليلات والتوقعات،
وبدلًا من البحث والتحرىِّ حول السؤال المنطقى: هل توجد بالفعل خطة معلنة لتوريث الحكم؟
أصبحت القضية: كيف نمنع التوريث؟ وأصبح السؤال الحاضر لدى الشارع: ليس هل سيتولى جمال مبارك الرئاسة؟ بل هل سيتولاها فى حياة والده أم بعد وفاته؟ وكأنه أمرٌ من طبيعة الأشياء!

هذا التحول بين الأسئلة، يعكس تحولًا أعمق فى الوعى الجمعى، هو مجال ما نحاول الإلمام به فى هذه الحلقات.
فالمعارض الذى رفع شعار "لا للتوريث" لم يعد يناقش مجرد احتمال نظرى، وإنما يتعامل معه باعتباره مشروعًا سياسيًا قائمًا يحتاج إلى مقاومة.
بينما يتعامل المؤيد مع بإعتباره مشروعًا سياسيًا قائمًا يحتاج الى الدعم.

وقتها، ظهرت مصطلحات جديدة على الساحة السياسية المصرية، مثل "الحرس القديم ـ رجال مبارك"، و"الحرس الجديد ـ رجال جمال"، بما قد بمكن تفسيره على أنه نوعٌ من الصراع على السلطة بين اهم مؤسسات الدولة!

ودون الوقوف هنا لبحث حقيقة النوايا داخل النظام وقتها، فقد أصبح التوريث حقيقة سياسية فى الوعى العام المصرى، بل وفى دوائر خارجية تهتم بمتابعة الشأن المصرى، رغم أنه، كما قلنا، لم يصدر بشأنه قرارٌ معلن، ولم تُتخذ خطوة رسمية لتقنينه باعتباره مسارًا مستقبليًا لانتقال السلطة.

ولا أحد يملك، فيما نعلم، وثائق قاطعة تجزم بأن أجهزة رسمية صنعت هذه الصورة عن التوريث عمدًا، سلبًا أو إيحابًا..
سلبًا: بتسريب فكرة التوريث لشحن الضغط الشعبى ضدها
أو إيجابًا: بتسريب الفكرة لتهيئة الرأى العام لقبولها

لكن، فى تقديرى، فهناك طرف آخر لا ينبغى إغفاله، أقصد المعارضة نفسها.
فالمعارضة، سواء كانت جادة في موقفها أم اتخذ بعض أطرافها القضية وسيلة لإثبات الحضور السياسى فرادى، او فى صورة تجمعات نخبوية حملت مسميات ساذجة ـ منها واحدة اعلنت عن نفسها تحت مُسمَى "مايحكمشى"!!! ـ فقد ساهمت جميعها بدرجة كبيرة فى تثبيت الفكرة وترسيخها فى الوعى العام.

فإعلان شخص ما رفضه للتوريث كوسيلة لإثبات أنه "مناضل سياسى" يتحدى النظام، فإن تكرار الرفض نفسه يصبح، من حيث لا يقصد صاحبه، إعادة إنتاج للقضية التى يرفضها!

هنا تظهر مفارقة سياسية شديدة الأهمية، مفادها أن المعارضة قد تساعد أحيانًا فى تثبيت الفكرة التى تقاومها.
فكثرة تكرار شعار "لا للتوريث" الذى لم يُعلَن عنه رسميًا، يعنى، فى الوقت نفسه، أنك تقول للمجتمع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن التوريث أصبح قضية قائمة.. فكيف ستواجهها؟
وهى واحدة من أخطر أدوات صناعة الرأى العام؛، خاصة لو كانت دون قصد.
وتزداد فاعلية هذه الآلية حين يكون الخطاب موجهًا إلى مجتمع رأيه المتوارث "أن السلطان هو اللى ما يعرفش السلطان"، فلا ينشغل بمن حاء أو من ذهب، قدر اننشغاله بقوت يومه ومصاعب حياته.

من هنا نصل إلى النتيجة التى نسعى إلى رصدها فى هذه السلسلة، من أن الفكرة قد تصنع التوقع، والتوقع قد يصنع الأمر الواقع، والأمر الواقع قد يصنع القرار.

وسواء كانت صناعة هذا الأمر الواقع قد تمت بمعرفة النظام، أو بواسطة أطراف قريبة منه، أو بفعل أصحاب المصالح، أو حتى بفعل المعارضة والإعلام والجمهور نفسه، فالنتيجة واحدة: أن كثافة تكرار وتسويق فكرة سياسية ما، يدفع الناس إلى التعامل معها باعتبارها مستقبلًا شبه مؤكد.

عندها لن يحتاج صاحب المصلحة إلى إعلان رسمى.
يكفيه فقط أن يتحدث عنها شخص ما، ثم يأتى آخر فيناقشها، ثم يظهر ثالث فيهاجمها، ثم تتبادل اتهامات العمالة للداخل او للخارج بين الطرفين الثانى والثالث، ثم تتناولها وسائل الإعلام باعتبارها قضية رأى عام، سواء كان إعلامًا جادًا أو إعلامًا موجهًا، ثم تبدأ مراكز الأبحاث والمحللون فى حساب الاحتمالات، ثم يبدأ الجمهور فى بناء مواقفه على أساسها. 
وفجأة.. يصبح لدينا واقعٌ سياسىٌ كامل، مبنى على شيء لم يحدث بعد!

هنا ينبغي أن نتوقف عند معنى القبول المجتمعى نفسه؛ فقبول المجتمع لأمر سياسى لا يعنى دائمًا اقتناعه به. فقد يكون القبول نتيجة الاعتياد، أو الخوف، أو المصلحة، أو غياب البديل، أو مجرد الاعتقاد بأن الأمر الواقع أصبح أقوى من القدرة على تغييره. 
ونلتقى فى الحلقة الرابعة، والأخيرة، مع من يهتم، لنعرض للحالة المصرية الحديثة، ذلك إن أراد الله تعالى، وكان فى العمر بقية.

ولكِ يا مصر السلامة، وسلامًا يا بلادى.