قضية ورأى
تمضى الصحافة الورقية والإلكترونية، سريعًا نحو اللا شىء، وتجمع فى طريقها كل ما تستطيع حمله، حتى تحافظ على تواجدها ومرتبات موظفيها، وجزء من بريقها الضائع.
وبينما تركز الصحافة العالمية على التطورات العسكرية فى اليمن، وتتابع خطوط الملاحة فى مضيق باب المندب تحت صواريخ الحوثيين، والملاحة فى مضيق هرمز تحت مسيرات الإيرانيين، وانتخابات البرازيل والسويد وساكسونيا، فإن جانبًا من صحافتنا يركز على طالب مدرسة السعيدية الذى منعوه من دخول المدرسة بالشبشب، أو المدير الذى ارتدى جلابية فى الفصل ووبخه المحافظ.
صحافة الشبشب، ليست جديدة على مجتمعنا، وإنما الجديد هو تغولها على باقى الفنون الصحفية، بل واعتبارها هى معيار النجاح فى وقت تضاءلت فيه مساحة الصحافة الجادة، والعمل الجاد.
سيل من الانتقادات للمحافظين، من القليوبية حتى بركة الدماس فى أسوان، وهو رد فعل طبيعى للشارع الذى حرم من المجالس الشعبية المحلية على مدار 16 عامًا، فأصبح البديل هى «السوشيال ميديا»، التى تدار بـ"الترند" والمزاج.
فالمجالس الشعبية المحلية، كانت أداة توجيه وتقويم حتى لو احتكرها تنظيم واحد هو الاتحاد الاشتراكى ثم الحزب الوطنى.
كما أنها كانت تضم كوادر سياسية وشعبية، قادرة على الحشد للدولة.
أما «السوشيال ميديا»، فقاعدتها أوسع.. لكنها فوضوية وافتراضية، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن المحليات.
وما ينطبق على بديل المحليات، ينطبق أيضًا على بديل الصحافة.. فقد أصبحت «السوشيال ميديا» بديلًا لكليهما، بأمر الدولة، وهو ما أراه خطرًا على البنية السياسية وعلى الصحافة وعلى السلطة نفسها.
الأخطر أن الصحافة أصبحت تجارى الناشطين على «السوشيال ميديا»، أملًا فى عائد مالى، وجنى بعض البريق، بعد أن جفت منابع التمويل.
فعدد المشاهدات هو دليل النجاح، والإعلانات هى دليل القوة، وما يدفع من «تحت الترابيزة» يوفر زخمًا ماليًا للاستمرار.
وعندما يلتقط الشارع شعلة الحدث أو القضية، فإن الإعلام يتلقفها ويعيد إنتاجها وتضخيمها، فتنعكس مجددًا على الشارع بشكل أعمق، وهكذا فى دورة لن تفضى إلا إلى بعض المكاسب التى تقتات عليها المواقع الإلكترونية.
فى وسائل الإعلام التقليدية، وقت التوزيع المليونى للصخف الورقية والمشاهدة الثابتة للتلفزيون، كان للإعلام سلطة توجيه الشارع والتحكم فى الرسائل الشائعة، لذلك كانت وزارة الإعلام، تصنف من الوزارات السيادية.
كان صفوت الشريف يدرك ذلك جيدًا، وكانت الدولة تدرك أيضًا أن كثيرًا من الحرية الكلامية لن يضر.. فلتقل الصحافة ما تشاء ولتفعل الدولة ما تشاء.
وقد شهد النصف الثانى من عهد مبارك انفتاحًا صحفيًا غير مسبوق، وسقفًا كلاميًا غير محدود، مقابل جمود سياسى.
وكانت النتيجة فوضى ما بعد 2011، لأن الأحزاب السياسية هى المدارس.. والمدارس كانت مجمدة.
حاليا، تتجه بوصلة القيادة نحو الشارع نتيجة تغير التحولات التكنولوجية واقتصاديات الإعلام، لدرجة أن الصحافة تنجرف انجرافًا خلف الشارع، دون التدقيق فى العواقب.. بل بحثًا عن المشاهدات.
وهنا مكمن الخطر، ليس على الصحافة فقط، وإنما على الدولة نفسها، التى تتعامل بمنطق رد الفعل وليس البناء الحقيقى.
يقع حدث، فتتلقفه السوشيال ميديا، ثم الإعلام الرقمى والصحافة الإلكترونية، ثم لا شيء.
لا بحث عن الأسباب، ولا حلول، ولا نقاشات..
فقط «لايكات»، ونسب مشاهدات وتعليقات.. وفى انتظار حدث جديد.
فى انتظار «اللاشيء».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض