هناك أسئلة لا تحتاج إلى دعوة كي تولد. تخرج من أفواه الناس في المواصلات، وعلى أبواب المدارس والمستشفيات، وفي البيوت التي أنهكها الغلاء، وبين الآباء الذين يحسبون ما في جيوبهم قبل أن يقرروا ماذا يشترون وماذا يؤجلون.
وحين تتحدث البيانات الرسمية عن تحسن المؤشرات، بينما يتحدث المواطن عن ارتفاع تكلفة حياته، تنشأ فجوة خطيرة بين لغة الأرقام ولغة الشارع.
لذلك لا أكتب اليوم لأقول إن كل شيء سيئ، ولا لأقول إن كل شيء جيد.
أكتب لأطرح الأسئلة التي أصبحت في كل رأس.
صندوق مصر السيادي.. أين تذهب ثروات مصر؟
أُنشئ صندوق مصر السيادي لتعظيم العائد من أصول الدولة واستثماراتها. وفي يناير 2026 أعلنت الحكومة أن محفظة أصول الصندوق نمت بأكثر من 90% بين 2023 و2025، مع إقرار سياسة لتحويل 50% من أرباح الشركات المنقولة إليه إلى الخزانة العامة.
إن نمو أصول الصندوق السيادي بنسبة تتجاوز 90% رقم محاسبي ممتاز، لكن الاختبار الحقيقي لأي صندوق سيادي محترف هو قدرته على توليد "تدفقات نقدية جارية" (Current Cash Flows) تساهم بشكل مباشر في خفض عجز الموازنة العامة، لا الاكتفاء بإعادة تقييم الأصول دفترياً نتيجة التضخم أو انخفاض قيمة العملة.
إذن السؤال ليس: أين اختفت أصول مصر؟
بل السؤال الحقيقي: كم تحقق هذه الأصول من عوائد فعلية؟ وكم دخل بالفعل إلى الخزانة العامة؟ وماذا استفاد المواطن منها؟
35 مليار دولار.. ماذا فعلنا بها؟
صفقة رأس الحكمة بلغت 35 مليار دولار، منها 24 مليار دولار سيولة نقدية و11 مليار دولار من ودائع إماراتية جرى تحويلها إلى الجنيه.
كانت الصفقة طوق نجاة مهماً في مواجهة أزمة النقد الأجنبي، لكن حصيلة صفقات الكبرى وبرنامج التخارج كانت "إيرادات غير متكررة" (Non-recurring Revenues). والاقتصاد المستدام لا يُبنى على حلول مؤقتة لأزمات متكررة.
السؤال الاستراتيجي هنا: كيف تحولت هذه الأموال الاستثنائية إلى إنتاج حقيقي، وصادرات تنافسية، وفرص عمل مستدامة، أم ذهبت لتمويل التزامات دين قديمة دون إحداث أثر هيكلي في ميزان المدفوعات؟ فالدولة لا تستطيع أن تبيع أصلًا مرة واحدة، ثم تعتبر العائد حلًا دائمًا للأجيال القادمة.
أين ذهبت حصيلة بيع الأصول؟
برنامج التخارج من أصول الدولة حقق مليارات الدولارات. ولا أحد يعترض على بيع أصل خاسر أو متعثر إذا كان البيع جزءًا من خطة اقتصادية رشيدة لإدارة أصول الدولة.
لكن المواطن من حقه أن يعرف بكل شفافية:
ماذا بيع؟ وبكم؟ ومن اشترى؟ وأين ذهبت الحصيلة تفصيلياً؟ وكم انخفض حجم الدين العام بسببها؟
فجدول واحد يضم هذه المعلومات بشفافية مطلقة قد يكون أبلغ من مئات البيانات الإنشائية.
الدين.. السؤال الذي لا يمكن الهروب منه
حين يقترب الدين الخارجي لمصر من حاجز 164.8 مليار دولار في الربع الأول من 2026، فإن الخطورة لا تكمن في الرقم الإجمالي فحسب، بل في "تكلفة خدمة الدين" (الفوائد والأقساط) التي تلتهم الجزء الأكبر من الإيرادات الضريبية للدولة.
والسؤال ليس فقط: كم علينا؟
بل: كيف سنسدد؟ من أين ستأتي الدولارات؟ وكم ستدفع الدولة من موازنتها فوائد؟ وكم يتحمل المواطن من تكلفة هذا الدين؟
الدين ليس مجرد رقم صامت في دفاتر وزارة المالية، بل يتحول في النهاية إلى ضغط مباشر على الموازنة، والأسعار، والضرائب، وجودة الخدمات العامة.
الاحتياطي يرتفع.. فلماذا لا يشعر المواطن؟
وهنا يجب أن نكون منصفين؛ فالاحتياطي الأجنبي تحسن وبلغ نحو 53.6 مليار دولار في يوليو 2026، كما تحسنت بعض مؤشرات النمو والاستثمار، وهذا أمر إيجابي لا يمكن إنكاره.
لكننا أمام مفارقة اقتصادية معقدة: ارتفاع الاحتياطي وتراجع التضخم ظاهرياً إلى نحو 14.9% في يوليو 2026 مؤشرات إيجابية في دفاتر الاقتصاد الكلي (Macroeconomics)، لكنها لا ترتد إيجاباً على الاقتصاد الجزئي (Microeconomics) للمواطن.
فالمواطن لا يعيش داخل رسم بياني أو معادلة نظرية؛ هو يعيش داخل "فاتورة" شهرية. هل انخفضت فاتورة الطعام؟ هل أصبحت تكلفة العلاج والتعليم والسكن أقل؟
التضخم والدخل.. الفجوة القاتلة
قد يقول الاقتصاديون إن معدلات التضخم تستقر أو تتراجع، لكن المواطن يرى أسعار السلع والخدمات تشتعل كل يوم.
وهنا يبرز السؤال الموجع:
هل أصبح دخل المواطن قادرًا على اللحاق بتكلفة الحياة والقدرة الشرائية الفعلية؟
لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يتحمل أسعارًا عالمية تتأثر بالأسواق الدولية، بينما دخله المحلي لا يتحرك بالسرعة نفسها. وإذا كانت الأسعار قد أصبحت عالمية، فمتى يصبح دخل المواطن عالمياً يناسب هذا الغلاء؟
من يدفع فاتورة الإصلاح؟
نحن لا نرفض الإصلاح الاقتصادي، ولا نرفض الاستثمار الأجنبي أو دور القطاع الخاص أو مشروعات البنية التحتية.
لكننا نسأل بعدالة: من يدفع ثمن الإصلاح؟
هل يتحمل محدودو الدخل والطبقة الوسطى العبء الأكبر؟ وهل يتوزع العبء بعدالة حقيقية بين المواطن والدولة والقطاع الخاص؟
الإصلاح الحقيقي ليس الذي ينجح حصراً في دفاتر الحكومة وتقارير المؤسسات الدولية، وإنما الذي ينجح دون أن يسحق البنية الاجتماعية للمواطن.
أين دراسات الجدوى؟
المشروع القومي ليس لمجرد الفخر بطريق أو مبنى أو مدينة جديدة، إنه أموال شعب تم اقتطاعها من لقمة عيشه.
ولهذا يجب أن تسبق كل مشروع إجابات واضحة وشفافة:
كم تكلفته الفعلية؟ متى يسترد تكلفته؟ كم فرصة عمل حقيقية يوفر؟ وماذا يحدث للاقتصاد إذا تغيرت الظروف الإقليمية والعالمية؟
نحن لا نحتاج إلى مشروعات بلا نهاية، بل نحتاج إلى مشروعات منتجة، تخلق قيمة مضافة، وتوفر فرص عمل حقيقية ومستدامة.
هل توجد حياة سياسية حقيقية؟
وهنا نصل إلى السؤال الأعمق الذي لا يستطيع الاقتصاد الهروب منه:
هل يستطيع المواطن أن يسأل بحرية؟ هل تستطيع الصحافة أن تنتقد بموضوعية؟ هل تستطيع المعارضة أن تختلف دون أن تتحول السياسة إلى معركة كسر إرادة؟
الدولة القوية وذات الرؤية لا تخاف من الأسئلة. فالرقابة الشعبية ليست عدوًا للدولة، والمعارضة البناءة ليست عدوًا للوطن، والصحافة الحرة ليست خصمًا للحكومة؛ بل كلها صمامات أمان تحمي الدولة من نفسها ومن أخطائها.
لا أحد يطلب المستحيل
المواطن لا يطلب إلغاء الديون بجرة قلم، ولا يريد إيقاف التنمية، ولا يعادي الاستثمار الأجنبي.
إنه يريد شيئًا بسيطًا جداً: أن يفهم.
أين تذهب أمواله؟ لماذا ترتفع الأسعار بلا هوادة؟ كيف ستسدد الدولة ديونها دون إرهاق الأجيال القادمة؟ ماذا يحدث لعوائد الأصول؟ ومتى يشعر المواطن بثمرة الإصلاح؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل هي أسئلة مواطن محب يريد أن يطمئن على وطنه.
والسؤال الأخطر
الخطر الحقيقي ليس أن يسأل المواطن، بل الخطر الأكبر أن يتوقف عن السؤال، وأن يفقد ثقته في أن الإجابة ستغير شيئًا نحو الأفضل.
مصر تملك إمكانات بشرية وجغرافية هائلة، وهناك مؤشرات إيجابية لا يجوز إنكارها. لكن النجاح الحقيقي ليس أن نقول للمواطن: "انظر إلى الأرقام.. الاقتصاد يتحسن". بل أن نسأله بصدق: "هل تشعر أنت بهذا التحسن؟".
إذا قال نعم، فقد نجحنا جميعاً.
وإذا قال لا، فعلينا جميعاً أن نبحث عن السبب ونعالج الخلل.
لأن الأوطان لا تُبنى بالصمت، ولا تُحمى بإخفاء الأسئلة.
الأوطان تُبنى عندما يعرف المواطن الحقيقة، ويشارك في صنع القرار، ويرى بوضوح ثمرة ما يتحمله من أعباء.
وحين تصبح الأسئلة في كل رأس..
يجب أن تكون الإجابات على كل طاولة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض