تخوض الدولة المصرية معركة مصيرية لتحقيق الأمن الغذائى وتوفير البروتين الحيوانى بأسعار متوازنة للمواطنين، وفى سياق هذه الجهود، ضخت مليارات الجنيهات فى المشروع القومى للبتلو للحد من استيراد اللحوم الحمراء. إلا أن القراءة الفنية الواعية للواقع الزراعى والاقتصادى، وخاصة فى ضوء التوسع العمرانى والزراعى الحديث فى عمق الصحراء الغربية بمناطق مثل الفرافرة وشرق العوينات، تتطلب منا إعادة تقييم شاملة لكيفية توجيه هذه المليارات لتعظيم المردود وتخفيض نسبة المخاطرة.
إن الاستمرار فى تركيز القروض الميسرة على رؤوس الأبقار والعجول بالمفهوم التقليدى يفرض تحديات جثاماً تتلخص فى الارتفاع الجنونى لتكاليف الأعلاف المركزة التقليدية، والحاجة إلى بنية تحتية خرسانية وهندسية مكلفة للسيطرة على الإجهاد الحرارى، فضلاً عن ارتفاع المنسوب الخطر لفقدان رأس المال عند خسارة أو نفوق رأس واحدة من عجول التسمين. وفى المقابل، تفتح الأراضى المستصلحة حديثاً فى الفرافرة وشرق العوينات آفاقاً استراتيجية لو أعدنا توجيه هذه المليارات نحو صناعة المجترات الصغيرة الأغنام والماعز.
تتميز المجترات الصغيرة بمرونة فيسيولوجية وفنية تجعلها خياراً مثالياً ومستداماً لغزو الصحراء كفاءة الهضم والتأقلم البيئى حيث تمتلك الأغنام والماعز قدرة استثنائية على تحمل درجات الحرارة القاسية والجفاف، إلى جانب كفاءتها المرتفعة فى الاستفادة من المحاصيل الرعوية البديلة والأعلاف الجافة غير التقليدية التى تجود بها الأراضى المستصلحة حديثاً (مثل البونيكام، والدخن، وحطب السودانى، والبرسيم الحجازى، ومخلفات التمور، مما يقلل كلفة الاعتماد على كسب فول الصويا الذرة الصفراء واستنزاف العملة الصعبة.
فهناك دورة إنتاجية سريعة وخفض المخاطر فيمثل الاعتماد على الأغنام والماعز توزيعاً ذكياً للمخاطر التشغيلية فنفوق رأس من الأغنام لا يشكل صدمة مالية للمربى مقارنة بنفوق عجل بتلو يتجاوز سعره عشرات الآلاف. كما أن معدلات التوالد المرتفعة إمكانية الولادة كل 8 أشهر والتعددية فى الماعز تكفل سرعة دورة رأس المال واستدامة التدفقات النقدية للمزارع والمثمر الصغير.
تخفيض التكاليف الرأسمالية حيث لا تتطلب المجترات الصغيرة إنشاءات معقدة أو منشآت مكلفة، بل تكتفى بمظلات بسيطة ومشارب متطورة، مما يعكس توجيه القروض مباشرة للأصول الحية والتشغيلية بدلاً من استنزافها فى المبانى والمظلات.
إن التوسع فى تربية الأغنام (كالبرقى والأوسيمى) والماعز لا يقتصر على إنتاج اللحوم عالية الجودة، بل يؤسس لصناعات تكاملية تشمل ألبان الأغنام والماعز عالية القيمة المطلوبة فى صناعة الأجبان الفاخرة، وتجهيز الأصواف، بالإضافة إلى إنتاج السماد العضوى المركّز البلدى وهو العنصر الحاسم فى تخصيب وترميم التربة الرملية والطفلية بالمشاريع الجديدة.
إن المطلوب اليوم ليس إلغاء الدعم، بل تحويل بوصلة التمويل. ندعو المسؤولين فى وزارة الزراعة والقطاع المصرفى إلى إطلاق مبادرة قومية موازية أو بديلة ضمن مشروع البتلو تستهدف إقامة مزارع تكاملية للأغنام والماعز بالمناطق المستصلحة، وربط القرض بشرط زراعة الأعلاف البديلة وإقامة مجازر وثلاجات ومراكز تجميع ألبان إقليمية. إن هذه الخطوة لا تمثل مجرد حل مشكلة لحوم، بل إنها وضع لبنة حقيقية لمجتمعات عمرانية ورعوية مستدامة فى قلب صحراء مصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض