عندما يتعذر إظهار الحق بالطرق الطبيعية فى جرائم القتل أو السرقة أو هتك العرض يضطر المجتمع البدوى إلى اللجوء إلى وسيلة غريبة وهى البشعة حيث يسخن المحقق «الميسم» وهو يد محماس القهوة حتى تحمر ثم يقلبها عدة مرات ببطء متعمد أمام ناظرى المتهم وهو يراقب ردود فعله أثناء الاستجواب وهذه المهنة الفريدة تعد بمثابة قاضٍ عرفى حيث تعتبر فناً قائماً بذاته لا يتقنه إلا القليل لأنها تتطلب مهارة خاصة وسرعة بديهة ويعتقد العوام أن ثمة قوى غيبية تتدخل لمعرفة ما إذا كان الشخص الذى تحوم حوله الشبهات مذنبا أو بريئاً ويعد هذا التقليد البدوى القديم هو أول جهاز بدائى لكشف الكذب لكنه بدون أى سند علمى وفى 1921 اخترع جون لارسون ضابط شرطة فى كاليفورنيا اول جهاز حقيقى لكشف الكذب «البوليجراف» ثم قام ليونارد كيلر بتحديثه، تقوم فكرة الجهاز على تثبيت حساسات لقياس معدل ضربات القلب، ضغط الدم، سرعة التنفس، وزيادة التعرق وعندما يكذب المتهم يشعر بتوتر فيتفاعل جسده تلقائيا ويبدأ الجهاز فى تسجيل تلك المؤشرات، ونادراً ما كان يلجأ البنتاجون لاستخدام البوليجراف ولكن حدث تغيير كبير فى الأونة الأخيرة بعد تعيين هجسيث وزيراً للدفاع الذى أساء استخدام سلطاته وأظهر نمطاً متهوراً من القيادة وابتدع أشياء غريبة لا تمت بصلة لتقاليد البنتاجون الراسخة.
ففى أغسطس الماضى كشفت نيويورك تايمز أن نحو 50 من كبار المسئولين فى هيئة الأركان المشتركة خضعوا لاختبارات كشف الكذب تتعلق بتسريب معلومات سرية للصحافة عن تراجع مخزونات الذخائر الحيوية وخاصة الصورايخ بعيدة المدى وصواريخ باتريوت ويدرس المحققون احتمالات ان يكون أحد المطلعين يعمل لصالح جهاز استخبارات اجنبى والجدير بالذكر أن هيئة الأركان المشتركة تضم ما بين 1500 إلى 2000 ضابط رفيعى المستوى يلعبون دوراً محورياً التخطيط وتنسيق العمليات الحربية مع القيادات القتاليّة على الارض حول العالم لم تقتصر التحقيقات على تحديد المتورطين فى التسريبات الصحافية بل كان الهدف الخفى هو ردع من تسول له نفسه فى المستقبل فضح فشل وانعدام الكفاءة لوزير الدفاع بيت هجسيث.
ما لاشك فيه أن هذه التسريبات الخطيرة تمس جوهر الجاهزية العسكرية والاستراتيجية الأميركية فى الشرق الأوسط. فهذه الأنواع من الصواريخ المتطورة ليست مجرد أسلحة عادية بل هى فى حقيقة الأمر تمثل قدرة الردع والدفاع الجوى التى تعتمد عليها واشنطن وحلفاؤها وفكرة الكشف عن نقصها قد تؤثر على حسابات طهران وتثير تساؤلات مشروعة حول مدى استدامة العمليات العسكرية. لذا نفت إدارة ترامب هذه التقارير الإعلامية جملة وتفصيلاً واكدت على امتلاكها كميات هائلة من هذه الذخائر الحساسة وعبر ترامب عن غضبه الشديد فى منشور على منصته تروث سوشيال بوصف تلك التقارير بالخيانة العظمى!!
ووصف خبراء عسكريون هذه الخطوة بأنها استثنائية. حيث قال الأدميرال المتقاعد دونالد جيه جوتر، إنه لم ير من قبل استخدام اختبارات كشف الكذب بهذا الاتساع أو على هذا المستوى الرفيع من الرتب. وعادة ما تجرى مثل هذه الاختبارات بشكل روتينى لتجديد التصاريح الأمنية، لكن حجمها الجماعى هذه المرة يعكس مستوى القلق داخل إدارة ترامب المرتبكة
ما يفعله ترامب من تسييس رخيص للبنتاجون ما هو نذير شؤم على مؤسسات الدولة الأمريكية التى كانت مضرب المثل فى المهنية والاستقلالية
لقد تسبب هذا الرجل البرتقالى فى أزمة انعدام ثقة بين القادة العسكريين والمستوى السياسى ستكون لها عواقب وخيمة فى المستقبل القريب.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض