إسرائيل تراجع عقيدتها للأمن القومي في ظل تداعيات حرب متعددة الجبهات
تتزايد النقاشات داخل مراكز الأبحاث الإسرائيلية حول مراجعة شاملة لـ "عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي"، في ظل تداعيات الحرب متعددة الجبهات التي تخوضها تل أبيب والتي امتدت لعامين كاملين.
ويركز هذا النقاش الاستراتيجي على محورين أساسيين، أولهما مدى الاعتماد على الصناعات العسكرية المحلية مقابل الشراكة الدفاعية مع الولايات المتحدة، أما المحور الثاني، فيتعلق بالتداعيات المحتملة لتلويح قوى عالمية بإمكانية استئناف سباق التسلح النووي، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات على الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط.
يرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيليINSS أن ارتباط المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بالمؤسسة الدفاعية الأمريكية يضع قيوداً سياسية واستراتيجية على حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، خاصة في ظل تنامي الأصوات داخل الكونجرس والدوائر السياسية الأمريكية المطالبة بفرض شروط صارمة أو تقييد صفقات السلاح مع إسرائيل.
هذه التحديات دفعت الحكومة والمؤسسة العسكرية الإسرائيلية نحو ضخ أموال غير مسبوقة لرفع قدرات "القاعدة الصناعية الدفاعية المحلية" (DIB)، حيث قفزت ميزانية الدفاع بشكل حاد لتلامس مستويات قياسية (تجاوزت 112 مليار شيكل) بهدف تحقيق "استقلال الذخائر" وتطوير منظومات محلية متطورة تعوض أي نقص محتمل في الإمدادات الخارجية، مع التركيز على تقنيات الذكاء الاصطناعي، والاعتراض الدفاعي، والأنظمة المسيرة.
ترى مراكز الأبحاث الاستراتيجية الإسرائيلية أن تجاوز "النموذج التقليدي" الذي قامت عليه دولة الاحتلال (الاعتماد على الإنذار المبكر، الردع التراكمي، وإدارة الصراعات لا حسمها) لابد من تغييره في اقرب وقت، واستبداله بنموذج "الإكراه الديناميكي" والتجهيز لعمليات استباقية بعيدة المدى، مع خلق شبكة أمان تعتمد على التنوع في مصادر التكنولوجيا العسكرية وتأمين البنى التحتية الحيوية عبر التحصين .
وكشفت تقارير استخباراتية اسرائيلية أن إعادة إحياء سباق التسلح النووي بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة، روسيا، والصين) قد يخل بالاستقرار الهش في الشرق الأوسط، خصوصاً مع تنامي الطموحات النووية الإقليمية والمظلة الصاروخية المتقدمة لخصوم إسرائيل.
تطرح النقاشات الفكرية ضرورة تطوير إطار عمل متكامل لتقييم المخاطر التنافسية، يجمع بين الردع التقليدي فائق التطور والردع النووي القائم على "الغموض المتعمد"، مع وجود مخاوف حقيقية من أن أي حسابات خاطئة أو فشل في سياسة الردع قد يدفع المنطقة نحو سيناريوهات غير قابلة للسيطرة.
تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، من ناحية رغبتها الملحة في التحرر تدريجياً من قيود التبعية المطلقة لواشنطن عبر تعزيز الإنتاج الحربي المحلي، ومن ناحية أخرى تخوفها الشديد من بيئة إقليمية وعالمية تسير بخطى حثيثة نحو عسكرة متطورة وسباق تسلح عابر للحدود كما تزعم بعض التقارير العسكرية الإسرائيلية. هذا المخاض ينبئ بتحول عميق في هيكلة الأمن القومي الإسرائيلي لسنوات مقبلة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
