المكورات الرئوية.. عدوى قد تبدأ بأعراض عابرة وتنتهي بمضاعفات خطيرة
قد تبدو في بدايتها كإحدى عدوى الجهاز التنفسي المعتادة، لكن المكورات الرئوية يمكن أن تتحول لدى بعض الأطفال إلى عدوى أكثر خطورة، تمتد من الالتهابات التنفسية والتهاب الأذن الوسطى إلى الالتهاب الرئوي والتهاب السحايا وتسمم الدم، وهو ما يجعل الوقاية منها أحد الملفات المهمة في حماية صحة الأطفال، خاصة مع تطور اللقاحات التي تستهدف عددًا أكبر من الأنماط المصلية للبكتيريا المسببة للعدوى.
وخلال فعاليات قمة اللقاحات للشرق الأوسط وأفريقيا وروسيا التي استضافتها القاهرة، سلط عدد من المتخصصين الضوء على طبيعة عدوى المكورات الرئوية ومضاعفاتها وسبل الوقاية منها، بالتزامن مع طرح جيل أحدث من اللقاحات الوقائية التي توسع نطاق التغطية من 13 إلى 20 نمطًا مصليًا، بما يعكس التطور المستمر في أدوات الوقاية من الأمراض التي تصيب الأطفال.
وقالت الدكتورة جميلة السلمان، استشارية الأمراض المعدية والباطنة بجامعة الخليج العربي، إن بكتيريا المكورات الرئوية شائعة بين الأطفال، ويمكن أن تسبب ارتفاع درجة الحرارة وصعوبة التنفس والصداع وآلام الصدر والالتهاب الرئوي، كما قد تؤدي إلى التهاب السحايا والتهابات الأذن الوسطى التي قد تصل مضاعفاتها إلى فقدان السمع، فضلًا عن تسمم الدم، مشيرة إلى أن بعض هذه المضاعفات قد تكون شديدة وتهدد حياة الطفل.

وتزداد أهمية الوعي بالمرض، بحسب المتخصصين، لأن أعراض العدوى قد تتداخل في بدايتها مع أعراض عدد من أمراض الجهاز التنفسي الأخرى، وهو ما أشارت إليه الدكتورة رانيا حجازي، أستاذ طب الأطفال وأمراض الأطفال بكلية طب قصر العيني، موضحة أن عدوى المكورات الرئوية قد يصعب تمييزها أحيانًا عن غيرها من الأمراض التنفسية، وهو ما يجعلها بمثابة «تهديد صامت» في بعض الحالات، مؤكدة أن الوقاية تظل عنصرًا أساسيًا في الحد من مخاطرها، وفي مقدمتها الالتزام بالتطعيمات الأساسية وفقًا للتوصيات الطبية.
ومن جانبها، أكدت الدكتورة نوران حجازي، المدير الطبي الإقليمي لمصر والسودان وبلاد الشام والعراق، أن تطور اللقاحات يمثل خطوة مهمة في توسيع نطاق الوقاية من المكورات الرئوية، موضحة أن الجيل الأحدث من هذه اللقاحات يستهدف عددًا أكبر من الأنماط المصلية للبكتيريا مقارنة باللقاحات السابقة، بما يعزز فرص توفير حماية أوسع للأطفال. وأشارت إلى أهمية إتاحة التطورات الحديثة في مجال اللقاحات داخل مصر، بالتوازي مع دعم منظومة الوقاية والتطعيمات.

ولا تقتصر أهمية التطعيمات في هذا الملف على الوقاية من الإصابة فقط، وإنما ترتبط كذلك بالحد من احتمالات الوصول إلى المضاعفات الشديدة للعدوى، خاصة أن المكورات الرئوية يمكن أن تنتقل من إصابات شائعة نسبيًا إلى حالات أكثر خطورة عندما تصل البكتيريا إلى مناطق من الجسم يفترض أن تكون خالية منها، مثل الدم أو الأغشية المحيطة بالمخ.
ويشهد مجال الوقاية من المكورات الرئوية تطورًا مستمرًا في تصميم اللقاحات، من خلال توسيع عدد الأنماط المصلية التي تستهدفها، إذ يغطي لقاح PCV20 عشرين نمطًا مصليًا، مقارنة بـ13 نمطًا في PCV13، ويضيف سبعة أنماط مصلية هي 8 و10A و11A و12F و15B و22F و33F. ويظل هذا النوع من اللقاحات وسيلة للوقاية وليس علاجًا للعدوى القائمة، بينما تخضع الفئات المستهدفة وجداول التطعيم للقواعد والاعتمادات والتوصيات الطبية المحلية.
وفي مصر، يمثل هذا التطور جزءًا من منظومة أوسع تتعامل مع اللقاحات باعتبارها إحدى أدوات الوقاية الأساسية، وهو ما يرتبط بدور وزارة الصحة والسكان في وضع وتنفيذ سياسات التطعيمات وتعزيز الوقاية من الأمراض المعدية، إلى جانب متابعة احتياجات المنظومة الصحية والعمل على استدامة إمدادات اللقاحات ودعم الاتجاه نحو توطين صناعتها.

وفي هذا الإطار، بحث الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، خلال لقاء سابق مع مسؤولي إحدى الشركات العالمية العاملة في مجال اللقاحات، عددًا من ملفات التعاون، من بينها اللقاحات وتوطين صناعتها واستدامة سلاسل الإمداد، بما يعكس توجهًا نحو تعزيز القدرات المحلية في هذا المجال، وعدم التعامل مع اللقاحات باعتبارها مجرد مستحضرات يتم توفيرها، وإنما باعتبارها جزءًا من منظومة الأمن الصحي والدوائي.
أما هيئة الدواء المصرية، فتتولى الجانب التنظيمي المرتبط بالمستحضرات الدوائية والبيولوجية، من خلال تقييمها وفق القواعد والمتطلبات المعمول بها، ومتابعة مأمونيتها وجودتها وفاعليتها في إطار اختصاصاتها الرقابية. ويظهر ذلك في إدراج مستحضر PCV20 ضمن التقرير العلمي العام للهيئة لعام 2026، إلى جانب خضوعه للتقييم التنظيمي من خلال الإدارة المركزية للمستحضرات الحيوية والمبتكرة والدراسات الإكلينيكية.
ويمتد دور الهيئة كذلك إلى دعم البيئة التنظيمية التي تسمح بإتاحة المستحضرات المبتكرة، بالتوازي مع تشجيع الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات الدوائية، وهي ملفات بحثها رئيس هيئة الدواء المصرية الدكتور علي الغمراوي مع مسؤولي الشركات العاملة في القطاع خلال الفترة الماضية.
وتؤكد هذه المنظومة أن الوقاية من المكورات الرئوية لا تبدأ عند ظهور الأعراض، وإنما تبدأ قبل ذلك بالوعي بطبيعة المرض، والالتزام بالتطعيمات المقررة، ومتابعة الطفل طبيًا، إلى جانب استمرار الدولة في دعم برامج الوقاية وتنظيم وإتاحة اللقاحات وفق المعايير العلمية والرقابية.
ويبقى العامل الأهم بالنسبة للأسر هو التعامل مع التطعيم باعتباره وسيلة وقائية ضمن منظومة متكاملة لحماية الطفل، مع عدم إغفال أهمية سرعة الحصول على الرعاية الطبية عند ظهور أعراض مقلقة، خاصة ارتفاع الحرارة المستمر أو صعوبة التنفس أو تدهور الحالة العامة، وعدم الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها مجرد عدوى تنفسية عابرة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض