رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مع بداية العام الدراسى الجديد:

الصيانة.. الفريضة الغائبة عن المدارس

بوابة الوفد الإلكترونية

مديرو مدارس المحافظات ومعلموها يتولون أﻋﻤﺎل اﻟﺪﻫﺎن واﻟﻨﻈﺎﻓﺔ ﺑﺄﻳﺪﻳﻬﻢ
442 مليار جنيه ميزانية التعليم ينفق معظمها رواتب.. واﻟﺘﺠﻤﻴﻞ ﺑﻼ ﺑﻨﺪ

 

مع بداية كل عام دراسى تطفو على السطح مشكلات الصيانة وتراجع مستوى النظافة فى الفصول ودورات المياه التى تحتاج إلى إصلاح، بينما تطل على السطح مشكلة نقص أعداد العمال فى المدارس والإمكانات المحدودة التى تدفع بعض مديرى المدارس والمعلمين للتدخل بأنفسهم لتنفيذ هذه الأعمال خاصة فى المحافظات، حتى يمكن استقبال الطلاب فى العام الدراسى الجديد.
هذه المشاهد وما صاحبها خلال الأيام الماضية من تعنيف لبعضهم رغم أنهم يقومون بعمل تطوعى، دفعتنا للتساؤل عن ميزانية وزارة التربية والتعليم، ومخصصات صيانة المدارس؟ ولماذا لا تقوم الوزارة بهذه الأعمال طوال الإجازة الصيفية التى تصل إلى ما يقرب من ثلاثة أشهر وتترك المعلمين حتى اللحظات الأخيرة ليجد بعضهم نفسه مضطرًّا للقيام بهذا العمل؟
وكانت مدرسة الشهيد أحمد سمير بالقليوبية قد تصدرت المشهد، بعدما كشفت مديرة المدرسة أنها ووكيل المدرسة أنفقا نحو 18 ألف جنيه من مالهما الخاص لتجهيز المدرسة والاستعداد للعام الدراسى الجديد، هذه الواقعة أثارت جدلا واسعا، خاصة بعد رد محافظ القليوبية الذى زعم أن المديرة لم تقدم مستندات تثبت إنفاق المبلغ، والفحص أثبت تقاضيها مبالغ مالية من المقاول المكلف بإزالة مبنى آيل للسقوط داخل حرم المدرسة لصرفها على أعمال الصيانة والتجهيز، بينما قام وزير التعليم بتكريمها!!
لم تكن هذه الواقعة الوحيدة، ففى مشاهد أخرى متداولة خلال الأيام الماضية، ظهر مدير مدرسة وهو يرتدى جلبابا ويشارك بنفسه فى تنظيف المدرسة، بينما ظهر آخر وهو يقوم بتسليك البلاعات فى مدرسته.
هذه المشاهد تكشف عن أزمة أكبر تتعلق بغياب العمالة وضعف إمكانات الصيانة، وتضع المسئولين أمام واقع لا يمكن تجاهله، فإذا كان مدير المدرسة يضطر للنزول بنفسه للتنظيف وإصلاح الأعطال، فأين منظومة الصيانة والنظافة داخل المدارس الحكومية؟ وهل المخصصات المرصودة للتعليم تكفى فعلا لتوفير بيئة مدرسية مناسبة وآمنة للطلاب؟ 
أرقام كبيرة لكن أين الصيانة؟ 
وبحسب بيانات موازنة العام المالى 2026/2027، ارتفعت مخصصات قطاع التعليم إلى نحو 442.3 مليار جنيه للتعليم قبل الجامعى والجامعى، مقارنة بنحو 352.4 مليار جنيه فى العام المالى السابق.
لكن ضخامة الرقم الإجمالى لا تعنى بالضرورة أن كل جنيه يصل إلى المدرسة أو ينعكس بشكل مباشر على أعمال الصيانة والنظافة.
فبحسب توزيع الاعتمادات المعلنة، تستحوذ الأجور وتعويضات العاملين على جانب كبير من مخصصات قطاع التعليم، إلى جانب بنود أخرى تشمل شراء السلع والخدمات والاستثمارات وتطوير الأصول والبنية الأساسية.
وفى موازنة العام المالى الحالى بلغت مخصصات الأجور وتعويضات العاملين فى قطاع التعليم نحو 251.3 مليار جنيه، وهنا تظهر المفارقة: قد تكون موازنة التعليم بالمليارات، لكن كم منها ينفق فعليا على المدرسة، والفصول ودورات المياه والمرافق وأعمال الصيانة؟
مشكلة التمويل
وتعليقا على ذلك قال الدكتور تامر شوقى أستاذ علم النفس التربوى بكلية التربية فى جامعة عين شمس، والخبير التربوى، إن نقص تمويل المدارس يمثل مشكلة مؤثرة فى العملية التعليمية، خاصة أن التعليم له أولوية قصوى ويحظى باهتمام كبير من الدولة.
وأضاف شوقى أن واقعة مدرسة القليوبية تعكس مشكلة أوسع تتعلق بنقص العمالة فى المدارس، وما يترتب على ذلك من تأثير فى مستوى النظافة والصيانة.

د.تامر شوقي
د.تامر شوقي


أوضح أن مدير المدرسة أو المعلمين لن يتركوا مدارسهم دون نظافة أو صيانة عند وجود مشكلة، ولذلك قد يضطر بعضهم إلى التدخل بأنفسهم، وأحيانا تحمل بعض النفقات، لافتا إلى أن هناك مدارس تحصل على ما يسمى بالمشاركة المجتمعية من أولياء الأمور، وقد يتم توجيه جزء منها لتوفير احتياجات المدرسة.
وأشار الخبير التربوى إلى أن نقص النظافة والصيانة يمكن أن ينعكس بشكل مباشر على انتظام الطلاب ومستوى العملية التعليمية، إذ قد يؤدى سوء حالة المدرسة إلى نفور بعض الطلاب من الحضور، كما قد يشعر المعلم بعدم الرضا أثناء أداء عمله، فضلا عن أن وجود مشكلات فى المقاعد أو النوافذ أو مرافق الفصول قد يشتت تركيز الطلاب أثناء الحصة، موضحا أن هذه العوامل تنعكس فى النهاية على مستوى التحصيل العلمى للطلاب، وتحد من استفادتهم من المعلمين والعملية التعليمية كلها.
وشدد شوقى على أنه ليس من الطبيعى أن يتحمل مدير المدرسة أو المعلم أعمالا ليست من اختصاصه، سواء فى النظافة أو الصيانة، وأضاف أن قيام المدير بأعمال النظافة أو الصيانة يزيد من أعبائه وضغوطه، فى الوقت الذى يفترض أن يركز فيه على مهامه الإدارية والتربوية، وإدارة المشكلات داخل المدرسة، سواء بين الطلاب وبعضهم، أو بين الطلاب والمعلمين، وهو ما قد يؤثر فى قدرته على أداء دوره الإدارى بكفاءة مؤكدا أن المشكلة لا ترتبط فقط بضعف التمويل، وإنما تمتد أيضا إلى سوء توزيع الموارد، موضحا أن بعض المدارس قد تعانى نقص الإمكانيات رغم وجود مخصصات للإنفاق على التعليم، وهو ما يستدعى إعادة النظر فى آليات توزيع الموارد واحتياجات كل مدرسة.
وأشار إلى أن الحد الأدنى المطلوب لتوفير بيئة مدرسية لائقة يبدأ من توفير الإمكانيات الأساسية التى تضمن نظافة المدرسة وسلامة مرافقها، وفى مقدمتها تخصيص ميزانية واضحة لأعمال النظافة والصيانة، بما يتناسب مع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف الخدمات.
وشدد شوقى على ضرورة توفير العدد الكافى من عمال النظافة داخل المدارس، موضحا أنه لا يمكن أن تعتمد المدرسة على عامل واحد فقط، وإنما يجب أن يتناسب عدد العمال مع مساحة المدرسة وأعداد الطلاب، بما يضمن الحفاظ على مستوى مناسب من النظافة طوال اليوم الدراسى.
وأكد أن توفير هذه المتطلبات يمكنه تخفيف الأعباء عن مدير المدرسة والمعلمين، وإتاحة الفرصة لهم للتركيز على أدوارهم التعليمية والإدارية بدلا من الانشغال بأعمال النظافة والصيانة التى لا تقع ضمن اختصاصاتهم الأساسية.
الدستور والتعليم 
ورغم أن الدستور وضع حدا أدنى للإنفاق الحكومى على التعليم حيث تنص المادة 19 على ألا تقل نسبة الإنفاق على التعليم قبل الجامعى عن 4% من الناتج القومى الإجمالى، بينما تنص المادة 21 على تخصيص 2% للتعليم الجامعى، وتنص المادة 23 على تخصيص 1% للبحث العلمى، مع النص على زيادة هذه النسب تدريجيا بما يتفق مع المعدلات العالمية، إلا أن الميزانية المرصودة ما زالت لا تصل إلى هذا الحد حتى الآن.
وفى هذا السياق قال الدكتور عاصم حجازى أستاذ علم النفس التربوى بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، إن أوجه الإنفاق داخل الوزارة تتعدد لتشمل مختلف الاحتياجات التى تيسر العملية التعليمية، إلا أن هذا التعدد يستهلك جزءا كبيرا من المخصصات المالية، رغم الزيادة التى طرأت على مخصصات التعليم خلال السنوات الأخيرة.

د عاصم حجازي
د عاصم حجازي


وأضاف أن تقادم الأثاث وبعض التجهيزات المادية فى عدد من المدارس يمثل مشكلة كبيرة، ولا بد من البحث عن حلول عملية لمعالجتها، مشيرا إلى أنه إذا كان من حق الإدارة المحلية مراقبة هذه التجهيزات، فمن واجبها أيضا المساعدة فى إيجاد حلول للمشكلات.
وأوضح حجازى أن مواجهة مشكلة الصيانة والتجهيزات لا تقتصر على زيادة المخصصات الحكومية فقط، وإنما يمكن الاستعانة بعدد من الآليات، من بينها تشجيع المؤسسات الخيرية ومنظمات المجتمع المدنى على المساهمة فى تجهيز وصيانة المدارس، إلى جانب تشجيع رجال الأعمال على رعاية المدارس والمشاركة فى تكاليف الصيانة والتجهيز.
واقترح كذلك إقرار طابع دمغة بقيمة جنيه واحد يخصص لصالح صيانة المدارس، إلى جانب إمكانية إضافة مبلغ بسيط قدره خمسة جنيهات إلى المصروفات الدراسية وتخصيصه لأعمال الصيانة، على أن يعفى غير القادرين منه.
جودة البيئة التعليمية
والتقط أطراف الحديث الدكتور مصطفى كامل استشارى التدريب والتطوير الدولى والخبير التربوى، مؤكدا أن أوضاع الصيانة والنظافة فى المدارس الحكومية تعد من القضايا المحورية التى تمس صحة الطلاب وسلامتهم، وتؤثر بشكل مباشر على جودة البيئة التعليمية وأشار إلى أنه رغم الجهود 

د.مصطفي كامل
د.مصطفي كامل

الرسمية لتوفير موازنات الصيانة ووضع أدلة ومعايير للنظافة، فإن الواقع يكشف عن تفاوت واضح بين المدارس، موضحا أن أعمال الصيانة تتنوع بين الصيانة البسيطة والوقائية، التى تشمل إصلاح الديسكات والنوافذ والأبواب والتوصيلات الكهربائية، والصيانة الأساسية التى تتضمن ترميم المبانى، وصيانة شبكات الصرف الصحى والأسوار والخزانات.
وأوضح كامل أن إحدى أبرز المشكلات تتمثل فى التأخر فى تنفيذ طلبات الصيانة نتيجة الإجراءات الروتينية، إلى جانب محدودية الموارد المخصصة لبعض أعمال الصيانة البسيطة داخل المدارس، وهو ما يدفع إدارات المدارس أو مجالس الأمناء والآباء أحيانا إلى التدخل لمعالجة الأعطال الطارئة.
وأضاف أن العبء الأكبر قد يقع فى بعض الأحيان على مدير المدرسة، الذى يضطر إلى تحمل مسئولية توفير بعض الاحتياجات من ماله الخاص أو من خلال مساهمات المعلمين، حرصا على استمرار العملية التعليمية وعدم ترك الطلاب فى بيئة غير مناسبة.
وشدد كامل على أن الصيانة والنظافة ترتبطان بشكل مباشر بسلامة الطلاب، إذ يجب التأكد من خلو الأفنية والممرات من المخلفات وبرك المياه والأسلاك الكهربائية المكشوفة، إلى جانب توفير وسائل الإطفاء ومخارج الطوارئ وإبقائها خالية من أى عوائق ولفت إلى أن مستوى الصيانة والنظافة يختلف من مدرسة إلى أخرى، إذ تتمتع بعض المدارس الحديثة أو التى تحظى بمشاركة مجتمعية قوية بمستويات أفضل، بينما تواجه المدارس القديمة وذات الكثافات المرتفعة تحديات أكبر.
واختتم حديثه بمناشدة المسئولين بمراعاة الجهود التى يبذلها المعلمون ومديرو المدارس خارج نطاق مسئولياتهم، سواء ببذل الوقت والجهد أو تحمل بعض النفقات، مؤكدا أن عدم مكافأتهم على هذه الجهود ينبغى ألا يتحول إلى إحباط لهم، خاصة أنهم يتحركون بدافع الحرص على انتظام العملية التعليمية وتحسين بيئة الطلاب.
توزيع الموارد
ومن الناحية الاقتصادية أكدت مروة لاشين الخبيرة الاقتصادية، أن زيادة مخصصات التعليم لا تعنى بالضرورة وصول موارد كافية إلى كل مدرسة لتلبية احتياجاتها من الصيانة والنظافة والعمالة، موضحة أن موازنة التعليم تضم بنودا متعددة، منها الأجور والاستثمارات وإنشاء وتجهيز المدارس والكتب والتكنولوجيا والتدريب وغيرها من أوجه الإنفاق.

د.مروة لاشين
د.مروة لاشين


وأوضحت أن المشكلة قد لا تكون فى نقص الأموال فقط، وإنما فى كيفية توزيع الموارد وتنفيذها ووصولها إلى المدرسة فى الوقت المناسب، مشيرة إلى أن زيادة الموازنة يجب أن يصاحبها اهتمام بكفاءة الإنفاق وقياس النتائج وأشارت إلى أن الصيانة المدرسية لا ينبغى التعامل معها باعتبارها بندا ثانويا، لأن تأجيل إصلاح الأعطال البسيطة قد يؤدى إلى تكاليف أكبر مستقبلا، مؤكدة أهمية الصيانة الوقائية.
وشددت على أن لجوء مدير المدرسة إلى الإنفاق من ماله الخاص لا يمكن أن يكون بديلا عن وجود نظام تمويل مؤسسى واضح، لأن ذلك قد يؤدى إلى تفاوت مستوى الخدمات بين المدارس وفقا لقدرة كل مدير على الإنفاق.
واقترحت الاعتماد على بيانات واضحة لتحديد احتياجات كل مدرسة، تشمل أعداد الطلاب والفصول ودورات المياه وحالة المرافق وعدد العمال واحتياجات الصيانة، إلى جانب تخصيص اعتماد سريع للتعامل مع الأعطال الطارئة وفق ضوابط رقابية واضحة.