في المضمون
في الوقت الذي كانت فيه الصواريخ الإيرانية تعبر سماء المنطقة، كانت أبوظبي تستعد لفتح أبوابها أمام الكتاب والفكر والثقافة.
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى متناقضا؛ صواريخ في السماء، وكتب على الأرفف. غير أن هذا التناقض يجسد جوهر الصراع الحقيقي في منطقتنا: هل نواجه الخوف بالانغلاق، أم نواجهه بالمعرفة؟
تنعقد الدورة الخامسة والثلاثون من معرض أبوظبي الدولي للكتاب في ظرف إقليمي بالغ التعقيد، بعد تأجيل موعدها الأصلي من أبريل إلى سبتمبر، نتيجة اضطراب حركة الطيران والظروف اللوجستية المرتبطة بالتوترات الإقليمية.
غير أن التأجيل لم يكن انسحابا من المشهد، بل عودة أكثر إصرارا.
فمن 13 إلى 18 سبتمبر، يعود المعرض إلى مركز أدنيك أبوظبي تحت شعار بالغ الدلالة: «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم»، بمشاركة عارضين من 95 دولة، وتنظيم نحو 1500 فعالية، في تأكيد أن الثقافة ليست ترفا يمكن تأجيله كلما اندلعت حرب، بل إحدى أدوات الصمود في مواجهة الحروب.
حين يصبح الكتاب فعل مقاومة
لا يهدد القصف الإيراني المباني والمنشآت وحدها؛ فالحروب تستهدف، في جوهرها، الإنسان ووعيه وشعوره بالأمان وقدرته على التفكير في المستقبل.
ولهذا، فإن إقامة معرض للكتاب في قلب هذه المنطقة المضطربة تحمل رسالة تتجاوز حدود الثقافة إلى السياسة والمجتمع والحضارة.
فالكتاب لا يطلق صاروخا، لكنه يستطيع أن يهزم فكرة.
ولا يحمل سلاحا، لكنه قادر على مواجهة خطاب الكراهية والتطرف.
ولا يبني جدارا، لكنه يستطيع أن يبني وعيا يحول دون سقوط المجتمعات في فخ الفوضى.
وهنا تبدو أبوظبي وكأنها تؤكد أن المنطقة العربية لا يمكن أن تترك مستقبلها رهينة لصوت المدافع والصواريخ.
أبوظبي تقلب الصفحة فعلا
يكتسب اختيار شعار «لنقلب الصفحة ونقرأ العالم» في هذه اللحظة تحديدا دلالة إضافية.
أن نقلب الصفحة يعني ألا نبقى أسرى للحرب.
وأن نقرأ العالم يعني أن نفهم ما يحدث حولنا، بدلا من الاكتفاء بمشاهدته.
والثقافة الحقيقية لا تنعزل عن السياسة والحرب والاقتصاد، بل تسعى إلى فهم جذور الأزمات، وطرح الأسئلة التي قد تعجز عنها البيانات الرسمية والخطابات السياسية.
ومن هنا، فإن معرض أبوظبي لا يقدم الكتب باعتبارها سلعة فحسب، بل باعتبارها جزءا من مشروع أوسع لبناء الإنسان.
وتزداد أهمية ذلك مع اختيار الخليل بن أحمد الفراهيدي شخصية محورية للدورة، باعتباره أحد أعمدة اللغة العربية وعلومها، فيما تحضر ثقافة البلقان ضيف شرف، بما يعكس انفتاح المعرض على تجارب وثقافات متعددة.
الثقافة لا تخاف من الصواريخ
قد يرى البعض أن الحديث عن معرض للكتاب وسط الحرب والصواريخ ضرب من الرفاهية.
والحقيقة عكس ذلك تماما.
ففي زمن الحرب تصبح الثقافة أكثر ضرورة، لأن المجتمعات التي تفقد قدرتها على التفكير تصبح أكثر عرضة للخوف والتطرف والانقياد وراء الشائعات.
ولهذا، فإن استمرار الحياة الثقافية وإقامة المعارض والمؤتمرات والفعاليات الفكرية ليس تجاهلا للخطر، بل إعلانا بأن الحياة يجب أن تستمر، وأن الإنسان العربي ليس مجرد رقم في نشرات الأخبار العسكرية.
قد يستطيع الصاروخ تدمير مبنى في لحظات، لكنه لا يستطيع تدمير فكرة استقرت في عقل إنسان.
وهذه هي المعركة الأهم.
يضع المشهد الراهن أمامنا نموذجين متناقضين.
نموذج يرى المستقبل من خلال الصواريخ والنفوذ العسكري وتصدير الصراع.
ونموذج آخر يحاول أن يرى المستقبل من خلال التعليم والثقافة والنشر والاقتصاد والإبداع والانفتاح على العالم.
وبين النموذجين تقف شعوب المنطقة التي تستحق أن تعيش في سلام، وأن تنفق أموالها على المدارس والجامعات والمكتبات، لا على إعادة إعمار ما دمرته الحروب.
لذلك، فإن معرض أبوظبي للكتاب هذا العام ليس مجرد موعد ثقافي سنوي.
إنه رسالة حضارية في توقيت سياسي شديد الحساسية.
رسالة تؤكد أن المنطقة التي عانت طويلا من الحروب لا يمكن أن يكون مستقبلها نسخة أخرى من ماضيها.
الكتاب في مواجهة الصاروخ
ربما لن يستطيع الكتاب منع صاروخ من الانطلاق، لكنه يستطيع أن يمنع جيلا من الإيمان بأن الصاروخ هو الطريق الوحيد إلى المستقبل.
وهذه هي قيمة الثقافة: أن تمنح الإنسان القدرة على الاختيار، وأن تعلمه أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن الحوار ليس ضعفا، وأن المعرفة أقوى من الجهل، وأن بناء الحضارات أكثر بقاءآ من بناء الترسانات.
ومن أبوظبي، في الدورة الخامسة والثلاثين لمعرض الكتاب، تبدو الصورة واضحة:
قد تصنع الصواريخ لحظة خوف، لكن الثقافة تصنع مستقبلا.
وفي منطقة أنهكتها الحروب، ربما تكون أهم صفحة نحتاج إلى قلبها هي صفحة العنف نفسه، لنبدأ صفحة جديدة عنوانها.. الإنسان أولًا
[email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض