رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

في المدن الحديثة، لا تقاس قيمة الشجرة بما تضيفه من جمال بصري فحسب، وإنما بما تؤديه من وظيفة حضرية مركبة؛ فهي تخفف أثر الحرارة، وتحسن جودة الهواء، وتمنح المجال العام قدرًا من السكينة، وتعيد إلى العمران جانبًا من إنسانيته.

وحين تتسع الحدائق والممرات الخضراء داخل المدينة، يصبح الحق في البيئة الصحية أقرب إلى حياة الناس اليومية: في شارع أهدأ، وهواء أنقى، ومساحة آمنة للحركة، ومحيط عمراني أكثر توازنًا.

ومن هذه الزاوية، تبدو حماية المساحات الخضراء قضية قانونية وتنموية أصيلة، ترتبط بجودة الحياة، وبحسن إدارة المدينة، وبقدرة التخطيط العام على خدمة الإنسان قبل الحجر.
وتتجاوز الرقعة الخضراء معناها الجمالي إلى دائرة أوسع من المصالح العامة.

فهي تمس الصحة العامة، والعدالة المكانية، والسلامة النفسية، وحق الطفل في بيئة آمنة، وحق كبار السن في فضاء ميسر، كما تسهم في تخفيف الإجهاد الحراري وتحسين الصورة الاقتصادية والثقافية للمدينة.

المدينة التي تصون مساحاتها الخضراء وتزيدها وفق تخطيط رشيد، تبني لنفسها رصيدًا طويل الأجل من الصحة والجاذبية والاستقرار. وكلما حضر اللون الأخضر في العمران بوصفه جزءًا من السياسة العامة، اقتربت المدينة من رسالتها الأعمق: أن تكون مجالًا كريمًا للحياة، ومساحة عادلة للإنسان، وبيئة قادرة على خدمة الحاضر وحماية المستقبل.


ويأتي تناول هذا الموضوع في إطار وطني هادئ يدعم جهود الدولة المصرية في تحسين جودة الحياة، ويرى في زيادة التشجير والمساحات الخضراء مسارًا عمليًا يلتقي فيه القانون مع التخطيط العمراني، والسياسة العامة، والصحة، والاقتصاد الأخضر، ووعي المواطن.

الأساس الدستوري والقانوني للحق في البيئة الخضراء
يقرر الدستور المصري في المادة ٤٦ أن لكل شخص الحق في بيئة صحية سليمة، وأن حماية البيئة واجب وطني، كما تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليها وعدم الإضرار بها، وترشيد استخدام الموارد الطبيعية بما يحقق التنمية المستدامة ويكفل حقوق الأجيال القادمة، هذه المادة تمنح المساحات الخضراء بعدًا دستوريًا واضحًا؛ لأنها تجعل البيئة الصحية حقًا، وتجعل حمايتها مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.

وتتصل هذه القاعدة بنصوص أخرى في الدستور، مثل المادة ٧٨ بشأن الحق في المسكن الملائم والآمن والصحي، والمادة ٨٣ بشأن حقوق المسنين، والمادة ٨٠ بشأن حقوق الطفل، والمادة ٤٥ بشأن حماية البحار والشواطئ والبحيرات والممرات المائية والمحميات الطبيعية، فالمساحة الخضراء ليست معزولة عن حقوق الإنسان اليومية؛ إنها جزء من السكن الصحي، والحي الآمن، والشارع القابل للمشي، والمدينة الصالحة للأطفال وكبار السن.

ويأتي قانون البيئة رقم ٤ لسنة ١٩٩٤ بوصفه الإطار التشريعي العام لحماية البيئة، بينما يقدم قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم ٢٠٢ لسنة ٢٠٢٠ مسارًا مهمًا لتحسين البيئة العمرانية عبر الإدارة المتكاملة للمخلفات، وتحديد الأدوار والمسؤوليات، ودعم الاقتصاد الدوار. فالمدينة الخضراء تحتاج إلى شجر وحدائق، وتحتاج في الوقت نفسه إلى نظافة، وفرز، وتدوير، وتخلص آمن من المخلفات، حتى تتحول البيئة الصحية إلى واقع قابل للاستمرار.

المساحات الخضراء وجودة الحياة في رؤية مصر ٢٠٣٠
تضع رؤية مصر ٢٠٣٠ الإنسان في قلب التنمية، وتربط جودة الحياة بالسكن اللائق، والبيئة النظيفة، والمدن المستدامة. ومن هذا المنظور، تصبح الرقعة الخضراء أحد مؤشرات التخطيط الرشيد؛ لأنها تربط بين الصحة والبيئة والعمران والعدالة الاجتماعية.
وقد أكدت وثائق الرؤية أن المدن المستدامة تحتاج إلى بنية تحتية حديثة، وبيئة صحية، ومتسع من المساحات الخضراء.

كما أطلقت الدولة المصرية الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ ٢٠٥٠، التي تجعل جودة حياة المواطن المصري وتحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية والنظم البيئية في قلب الرؤية المناخية الوطنية.
وتدعم الاستراتيجية الوطنية للعمران الأخضر والمستدام هذا الاتجاه، من خلال بناء نظام عمراني يواجه تغير المناخ، ويخفض الانبعاثات، ويحسن جودة الحياة، ويراعي الاستخدام المستدام للموارد.

وفي هذا السياق، تبرز مبادرة «١٠٠ مليون شجرة» بوصفها مشروعًا بيئيًا وتنمويًا مهمًا، يستهدف التوسع في التشجير، ومضاعفة نصيب الفرد من المساحات الخضراء، وتحسين جودة الهواء والصحة العامة، وخفض الانبعاثات، عبر مواقع محددة في المحافظات وباستخدام أساليب أكثر استدامة، ومنها الاعتماد على مياه الصرف المعالج في بعض المواقع. وهذه المبادرة تقدم نموذجًا واضحًا لتلاقي التخطيط البيئي مع التنمية المحلية والعمل المؤسسي.


تؤكد الأدبيات الدولية الرسمية أن المساحات الخضراء داخل المدن ليست رفاهية، فقد أوضحت منظمة الصحة العالمية أن الحدائق والملاعب والمساحات الخضراء السكنية تساعد على تحسين الصحة النفسية والبدنية، وتخفيف الضغط النفسي، وتعزيز الترابط الاجتماعي، وتشجيع النشاط البدني، وتقليل التعرض لتلوث الهواء والضوضاء والحرارة الزائدة، وهذه الفوائد تجعل الاستثمار في الرقعة الخضراء استثمارًا في الوقاية الصحية، لا في التجميل الحضري وحده.


وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن وضع الأشجار بصورة استراتيجية داخل المدن يمكن أن يخفض حرارة الهواء بدرجات ملموسة، وأن الأشجار تسهم في تحسين جودة الهواء وتخفيف آثار تغير المناخ وترشيد استهلاك الطاقة حول المباني، وهذه الحقائق مهمة في المدن الحارة والمزدحمة، حيث يصبح الظل موردًا عامًا، وتصبح الشجرة أداة عملية لحماية الإنسان من الإجهاد الحراري وتحسين المشهد العمراني.


وتتوافق هذه المعاني مع الغاية الفرعية السابعة من الهدف الحادي عشر من أهداف التنمية المستدامة، وهي الغاية المعروفة اختصارًا بـ«الهدف ١١-٧»، والمقصود بها توفير مساحات خضراء وأماكن عامة آمنة وشاملة وسهلة الوصول لجميع الناس، مع عناية خاصة بالنساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.

ومن هنا ينبغي أن يراعي التخطيط للمساحات الخضراء قربها من السكان، وسهولة الوصول إليها، وتوافر الأمان والإنارة والصيانة، وملاءمتها لاستخدام كافة المواطنين بصورة كريمة وعملية.
نحو سياسة حضرية أكثر اخضرارًا.

تقوم زيادة الرقعة الخضراء على سياسة عامة متكاملة، تبدأ بالتخطيط الجيد، وتمتد إلى التنفيذ والمتابعة والصيانة، فالحديقة حين يقترن إنشاؤها بتمويل مستدام للرعاية، تظل قادرة على خدمة السكان لسنوات طويلة، والشجرة حين تُختار في موقع مناسب، تصبح إضافة للمشهد العمراني وللمرافق العامة، والمسطح الأخضر حين يصمم بظل كافٍ وإنارة آمنة ومسارات مريحة، يتحول إلى مساحة حية يستخدمها الناس بثقة. لذلك، تقوم الفكرة الأساسية على جودة الاختيار والتوزيع والرعاية، مع التوسع المنظم في عدد الأشجار.

ويقتضي الواقع المصري مراعاة  الحفاظ على مصادر المياه، وتنوع المناخ بين المحافظات، وضغط الكثافة السكانية، واحتياجات المرور، وحقوق المشاة، وطبيعة الأحياء القديمة والجديدة. وهذا يعني اختيار أنواع نباتية قليلة الاستهلاك للمياه وملائمة للبيئة المحلية، وتوسيع استخدام المياه المعالجة حيث تسمح الاشتراطات الفنية، وربط التشجير بخطط النقل والمشي والدراجات، وإدخال الرقعة الخضراء في تصميم المدارس والمستشفيات ومراكز الشباب والمناطق الصناعية.

كما أن حماية المساحات الخضراء تصبح أكثر فاعلية حين تستند إلى بيانات دقيقة ومحدّثة. ويمكن لكل محافظة أن تستحدث سجلًا واضحًا للأشجار والحدائق والمساحات المفتوحة، يتضمن الموقع، والنوع، وحالة الري، واحتياجات الصيانة، والجهة المسؤولة، وأولويات الإحلال أو التوسع. وبهذه الطريقة تساعد الرقمنة صانع القرار على الانتقال من التقدير العام إلى التخطيط القائم على معلومات، بما يضمن استدامة الأثر وحسن توجيه الموارد.

توصيات عملية قابلة للتطبيق
أولًا: إدراج مؤشر واضح لنصيب الفرد من المساحات الخضراء، ومؤشر لقرب المواطنين من الحدائق والمساحات العامة، ضمن خطط التنمية المحلية، مع مراعاة الفئات الأكثر احتياجًا.

ثانيًا: حماية الحدائق والأراضي المخصصة للمنفعة العامة الخضراء من خلال خرائط معتمدة وسجلات رقمية، وربط أي تغيير في استخدامها بضوابط قانونية وإدارية دقيقة تراعي المصلحة العامة.

ثالثًا: اختيار أنواع الأشجار والنباتات وفق دليل فني وطني يراعي المناخ المحلي، واستهلاك المياه، والسلامة المرورية، وجذور الأشجار، وتكاليف الصيانة، والقيمة الجمالية والبيئية.

رابعًا: ربط التشجير بمنظومة إدارة المياه، من خلال التوسع المدروس في استخدام المياه المعالجة، وحلول الري الذكي، وتجميع مياه الأمطار حيثما أمكن.

خامسًا: جعل المدرسة ومركز الشباب والوحدة الصحية والمستشفى ونقطة الخدمة الحكومية مراكز مصغرة للرقعة الخضراء، بما يحول التشجير إلى ثقافة يومية يراها المواطن في مرافقه الأساسية.

سادسًا: دعم الشراكة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص في رعاية الحدائق والأشجار، من خلال نماذج واضحة للمسؤولية المجتمعية، مع بقاء التخطيط والرقابة والصالح العام في يد الجهات المختصة.
سابعًا: إطلاق برامج توعية قانونية وبيئية تحث المواطنين على حماية الأشجار، والامتناع عن إتلاف المزروعات، والإبلاغ عن التعديات، والمشاركة في المبادرات المحلية للتشجير والنظافة

ثامنًا: قياس الأثر بصورة دورية، من خلال مؤشرات الحرارة، وجودة الهواء، واستخدام المواطنين للمساحات العامة، وحالة الأشجار، وتكاليف الصيانة، ورضا السكان.