رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

عشت منذ يوم الجمعة الماضي محنة صحية، أحسست فيها بأني قريب من الموت، فكانت سببًا في اختياري "فلسفة الموت" موضوعًا لمقالتي، إذ قضيت ساعات عصيبة اتبعتها أيام عصيبة أيضًا، فبعد أدائي صلاة فجر يوم الجمعة الماضية، توجهت كعادتي للفراش لأنام، لكني لم أنم فهناك شيء يضغط على صدري، ويمنعني من التنفس، شربت ماء لعله يسهل عملية التنفس، لكن عبثًا، وذهبت بي زوجتي لمستشفى خاص بجوارنا، فلم نجد في عيادة الطوارئ سوى واحدة قالت إنها ممرضة وأن لا يوجد أطباء، ونصحت بعدم التوجه لمستشفى خاص آخر، قائلة نحن فجر الجمعة لن تجد أحدًا، وطلبت أن نذهب لمستشفى الدمرداش العام، فذهبنا ودخلت عيادة الطواريء فإذ بها كسوق عكاظ، مرضى بالعشرات ومعهم مرافقوهم وأطباء صغار تقريبًا امتياز، يترأسهم طبيب شاب "نائب"، وللحق لم يقصروا معي عملوا اللازم رسم قلب وفحص سكر الدم وقياس الضغط، وطبعًا لم يتفرغوا لي فهناك حالات أكثر مني الحاحًا، فانصرفت وكان التنفس قد عاد لطبيعته، وتوجهت مساء لمركز ألفا للأشعة وأجريت أشعة إيكو، التي أظهرت أن عضلة القلب قد هبطت كفاءتها هبوطًا شديدًا، حيث صارت 30%، وكان عندي موعد في اليوم التالي مع أستاذ الكلي، وما أن رأى تقرير الإيكو حتى قال: لابد من مراجعة طبيب القلب لعمل قسطرة، فقال نجلي له:  لكن هذا يعني تلف الكلي، فقال الطبيب وعدم عملها يعنى الوفاة، ويجب إخطار طبيب الأورام الذي يعالجني، فأخطرنا الطبيب بالحالة، فأمر بوقف تناول دواء السرطان حتى إجراء القسطرة .. ومنذ تلك الجمعة وأنا نائم أستيقظ لأنام، ولا أكل سوى لقيمات، ومنتظر لقاء طبيب القلب، وأنا متردد خشية حدوث فشل كلوي، فالموت أرحم من المرض.

أعود إلى فلسفة الموت في التراث، والتي كانت معاناتي وتخيلي قرب الأجل سببًا في التفكير فيها، فمن يقرأ كتاب الله يجد أن لفظة "موت" ومشتقاتها وردت في 65 موضعًا في القرآن الكريم، ويختلف مقصدها في كل موضع عن الآخر، وإن كان المتفق عليه في كل المواضع، أن الموت يمثل الحقيقة المطلقة والنهاية المحتومة لكل حيّ. 

إما عند الفلاسفة والشعراء فالموت يعنى فلسفة مختلفة، هو تجربة وجودية تثير تساؤلات عن الكينونة والمصير الإنساني، وتهتم بتحليل البعد النفسي واللاشعوري لخوف الإنسان من المجهول، ولنتخذ من رؤيتي الشاعرين الكبيرين أبي العلاء المعري وأبي العتاهية، وهما رؤيتان متباينتان دليلًا استرشاديًا، فالمعري لظروفه المعروفة التي لقب بسببها بـ "رهين المحبسين"، نظر إلى الموت نظرة تشاؤمية تملؤها الحيرة والشك، وركز في "اللزوميات"على فناء الجسد وعدمية الحياة، معتبرا أنَّ ما من حقيقة عَصِيّة على الشك، أكثر من حقيقة الموت، فمعه تتساوى جميع الكائنات أيًا كنت منزلتها في الدنيا الزائلة:

سألتُ عن الحقائق كلَّ يومٍ .. فما ألفيتُ إلاّ حـرفُ جَحْـدِ

سوى أنِّي أموتُ بغيرِ شكٍّ .. ففي أيِّ البلاد يكون لحدي!

ويتفق شاعر الزهد أبو العتاهية مع المعري فيما يتعلق بكون الموت حقيقة مُطلقة، وقدرًا محتومًا لا يُستثنى منه أحد، لكنه يرفض فلسفة المعري التشاؤمية، ويجعل من الموت محورًا لشعره الزهدي، فهو يراه عظة وعبرة، داعيًا الناس إلى ترك ملذات الحياة والتوجه الكلي نحو الآخرة للتفكر في الحساب، ومواجهة أهوال الموت:

لِلمَوتِ فينا سِهامٌ غَيرُ مُخطِئَةٍ   

مَن فاتَهُ اليَومَ سَهمٌ لَم يَفُتهُ غَدا 

ما ضَرَّ مَن عَرَفَ الدُنيا وَغِرَّتَها   

أَلّا يُنافِسَ فيها أَهلَها أَبَدا .

نصل إلى معنى آخر لفلسفة الموت، فهو عند المجاهد يعنى الشهادة في سبيل الله، أي حياة جديدة في البرزخ، وينقل عن سيف الله المسلول خالد بن الوليد حزنه وحسرته وهو على فراش المرض الأخير، من أن تأتي منيته على فراشه وليس في ساحة الجهاد، يقول: "لقد طلبت الموت في مظانه، ولقيت الزحف وما في جسدي شبر، إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وهانئذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".

وعلى العكس من ميتة ابن الوليد الهادئة المطمئنة، كانت ميتة الظالم الحجاج بن يوسف الثقفي مرعبة، فبعد أيام قليلة من قتله للعالم والتابعي الجليل سعيد بن جبير، ودعوة سعيد على الحجاج قبل إعدامه: "اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي"، وبالفعل استجاب الله لدعوة عبده الصالح، فلم يقتل الحجاج أحدًا بعد سعيد، بل كان طيف سعيد يلاحق الحجاج في صحوه ومنامه، يلاحقه ويأخذ برجليه فيستيقظ فزعًا وهو يصرخ: "ما لي ولسعيد بن جبير"، ومات الحجاج ميتة شنيعة حيث أصيب بما أسماه المؤرخون بـ "الأكلة" (وهي قرحة خبيثة ذات ديدان تآكل في الأمعاء والبطن)، وقيل إنه وهو على فراش الموت، وخلال احتضاره تضرع إلى الله ملتمسًا عفوه عما ارتكبه من جرائم وآثام، قائلا: "اللهم اغفر لي، فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل".

وبقدر خوف الحجاج من لقاء خالقه، كانت لهفة الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز على لقاء ربه الكريم، حيث روى أنه لما ثقل عمر دعي له طبيب، فلما نظر إليه قال: أرى الرجل قد سقي السم ولا آمن عليه الموت، فرفع عمر بصره وقال: ولا تأمن الموت أيضًا على من لم يسق السم، قال الطبيب: هل أحسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم قد عرفت ذلك حين وقع في بطني، قال: فتعالج يا أمير المؤمنين فإني أخاف أن تذهب نفسك، قال: ربي خير مذهوب إليه، والله لو علمت أن شفائي عند شحمة أذني ما رفعت يدي إلى أذني!

ويضفي أمير الشعراء أحمد شوقي في مسرحيته الخالدة "مصرع كليوباترا"، معنى فلسفيًا جديدًا للموت، حين يجعله سببًا في لقاء الحبيبين، يقول:

يا طيبَ وادي العدَمْ

من منزِل من منزل

لم تَمش فيه قدمْ

للعُذَّل وادٍ خَل

أنا فيه لحبيبي

وحبيبي فيه لي

يا موتُ ملْ بالشِّراعْ

واحملْ جَريحَ الحياهْ

سرْ بالقلوع السِّراع

إلى شُطوط النجاهْ

ويقلب أمل دنقل عند حديثه عن الموت الدلالات الرمزية التقليدية للألوان، محولًا البياض الطبي المطهّر، إلى رمز مرعب للموت والفناء، فيما جعل السواد رمزًا للنجاة، والتشبث بالحياة في مواجهة الزمن: 

في غُرَفِ العمليات

كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ

لونُ المعاطفِ أبيض

تاجُ الحكيماتِ أبيضَ, أرديةُ الراهبات

الملاءاتُ

لونُ الأسرّةِ, أربطةُ الشاشِ والقُطْن

قرصُ المنوِّمِ, أُنبوبةُ المَصْلِ

كوبُ اللَّبن

كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبي الوَهَن.

كلُّ هذا البياضِ يذكِّرني بالكَفَنْ!

فلماذا إذا متُّ.. يأتي المعزونَ مُتَّشِحينَ

بشاراتِ لونِ الحِدادْ؟

هل لأنَّ السوادْ

هو لونُ النجاة من الموتِ

لونُ التميمةِ ضدّ.. الزمنْ!

وأختتم بخاطرة فلسفية عن الحياة والموت، للشاعر كامل الشناوي أنهاها بسؤال لا إجابة له، يقول كامل: عدنا من المقابر نحاول أن نتكلم فنلهث، نجاول أن نتحدث فنبكي، واقتربت مني وسألتني: لماذا نموت؟ فأجبتها متسائلًا: ولماذا نحيا؟ ويضيف: ولم استطع أن أجيب عن سؤالها، ولم تستطع أن تجيب عن سؤالي.. ولم أدر حتى الآن أي السؤالين أقسي!!

ويطول الحديث إلى ما لا نهاية، لو استعرضنا كل ما قاله الشعراء والفلاسفة عن الموت وفلسفته ومعانيه، لكنهم جميعًا برغم اختلافات الرؤية يتفقون على أمر واحد، وهو أن الموت نهاية الحياة الدنيوية الزائلة، وبداية الحياة البرزخية الخالدة.