في الحروب لا تكون القوة دائما ً في امتلاك السلاح الأقوى، فقد تصبح الجغرافيا نفسها سلاحا ً إذا أحسن طرف ما توظيفها. وما يجري الآن في مضيق هرمز، بالتزامن مع تصاعد الضغط على الملاحة عند باب المندب، يطرح سؤالا ً يتجاوز الصواريخ والطائرات والسفن: هل تحاول إيران نقل المواجهة مع الولايات المتحدة من ميدان التفوق العسكري، الذي تعرف أن ميزانه ليس في صالحها، إلى ميدان آخر تستطيع فيه أن تجعل الموقع الجغرافي جزءا ً من قوتها؟
التطور الأبرز جاء مع الحديث الإيراني عن صاروخ «قاسم بصير»، وهو صاروخ باليستي متوسط المدى يعمل بالوقود الصلب ويبلغ مداه المعلن نحو 1200 كيلومتر، وتقول طهران إنه مزود بتوجيه كهروبصري في مرحلته النهائية وقدرة أكبر على المناورة ومقاومة التشويش. وقد ارتبط اسمه بالحديث عن إمكانية استخدام مثل هذه القدرات ضد قطع بحرية أمريكية، بينما يظل نجاح استخدامها فعليا ً ضد هدف بحري متحرك أمرا ً يحتاج إلى إثبات مستقل. فإصابة سفينة تتحرك في البحر ليست مجرد مسألة مدى أو قوة رأس حربي، وإنما تحتاج إلى سلسلة متكاملة من الاستطلاع والتعقب وتحديث موقع الهدف حتى اللحظات الأخيرة.
لكن ربما لا تكون إصابة السفينة هي أهم ما في الأمر .. الأهم أن تصبح إمكانية استهدافها احتمالا ً جديا ً يدخل في حسابات قائدها قبل أن يدخل الصاروخ نفسه إلى ميدان القتال؛ فالتهديد الذي يجبر قطعة بحرية على تغيير موقعها أو مسارها، ويضاعف إجراءات حمايتها، ويفرض على الأسطول تخصيص قدر أكبر من موارده للدفاع، يحقق أثرا ً عسكريا ً حتى قبل أن يحقق إصابة مباشرة.
وهنا نصل إلى مضيق هرمز. فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاقه إغلاقا ً كاملا ً حتى تستفيد من موقعه .. فيكفي أن تجعل المرور فيه أكثر خطورة وأعلى تكلفة وأقل قابلية للتنبؤ. فالتجارة البحرية لا تتأثر فقط بمنع السفن من المرور، وإنما تتأثر أيضا ًبارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتردد الشركات في المجازفة بسفنها وأطقمها، واحتمال اضطرار بعض الناقلات إلى تغيير مساراتها.
لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدا ً عندما ننظر إلى الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية، حيث باب المندب. فالقدرة الحوثية على تهديد الملاحة في البحر الأحمر تجعل ممرا ً بحريا ً عالميا ً ثانيا ً عرضة للضغط في الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر عند هرمز. ولا يعني ذلك أن المضيقين قد أُغلقا أو أنهما سيغلقان بالضرورة، وإنما يعني تنامي القدرة على التهديد في نقطتين بالغتي الحساسية في الوقت نفسه.
ومن هنا يظهر المعنى الأوسع للمشهد. هرمز في الشرق وباب المندب في الغرب ليسا مجرد ممرين على الخريطة؛ إنهما بوابتان تحيطان بمساحة هائلة من حركة الطاقة والتجارة. وإذا ارتفعت المخاطر في الأولى، يصبح الطريق عبر البحر الأحمر أكثر أهمية، وإذا ارتفعت المخاطر في الثانية في الوقت نفسه، تبدأ المشكلة في الانتقال من مواجهة عسكرية إقليمية إلى ضغط اقتصادي عالمي.
ربما تدرك إيران أنها لا تستطيع مضاهاة الولايات المتحدة سفينة بسفينة أو طائرة بطائرة، ولذلك قد تكون استراتيجيتها الأجدى هي جعل التفوق الأمريكي نفسه أكثر تكلفة؛ صواريخ تهدد القطع البحرية، وألغام وزوارق ومسيّرات تربك الحركة في الخليج، وحليف يضغط عند باب المندب. ليست المسألة إذن امتلاك قوة أكبر، بل القدرة على توزيع الخطر بحيث يضطر الخصم إلى حماية كل شيء في وقت واحد.
أما إلى أين يمكن أن ينتهي هذا المشهد، فالأرجح أن أيا ً من الأطراف لا يستطيع إبقاء الممرات البحرية الكبرى تحت هذا المستوى من التهديد طويلاً دون أن يدفع ثمنا ً يتجاوز حدود المواجهة نفسها. فإغلاق هرمز أو باب المندب بصورة كاملة سيصيب الاقتصاد العالمي، لكنه سيصيب كذلك دول المنطقة وإيران وحلفاءها، وقد يستدعي ردودا ً دولية أوسع.
ولذلك قد يكون الهدف الأقرب ليس خنق الممرات حتى الإغلاق، وإنما إبقاؤها تحت قدر محسوب من الخطر يرفع تكلفة الحرب ويضغط من أجل تسوية. وهنا قد تصبح الجغرافيا التي استُخدمت لتوسيع دائرة المواجهة هي نفسها الأداة التي تدفع الجميع في النهاية إلى تضييقها.
وهنا تكمن المفارقة: قد تمتلك دولة ما أقوى أسطول في العالم، لكنها لا تستطيع تغيير موقع المضيق على الخريطة.
فحين تعجز القوة عن امتلاك الجغرافيا، قد تتحول الجغرافيا نفسها إلى قوة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض