أرقام معلنة وواقع لا تراه الرقابة..
عمالة الأطفال.. حين يتوقف القانون عند باب الورشة
"بصلي الفجر وأنزل أقف قدام النار".. يمكن أن تسمع صوت القسوة من هذه الكلمات البسيطة، خاصة عندما تخرج من طفل صغير، كفوفه ضئيلة لم تنضج بعد، وأقدامه هزيلة، ولكنه مجبر على الجد والاجتهاد .
العمل أصبح أمرًا إجباريًا، فهو السبيل الوحيد لاستمرار حياة الأسرة، بعد وفاة الأب، الطفل "أ.ي" وجد نفسه رب لأسرة تتكون من أم 3 أخوات، فحمل على عاتقه مسؤولية أكبر من سنه الذي لا يتخطى الـعشر سنوات.
"أ.ي"، يعمل صبي بإحدى الأفران القريبة من بيته، مقابل 100 جنيهًا يوميًا، يقول :" أنا بصحى كل يوم الفجر بصلي وأنزل على الفرن، ولو اتأخرت صاحب الفرن بيخصملي، أنا لازم أنزل حتى لو عاوز أنام علشان أعرف أجيب أكل ليا ولإخواتي".
رغم مخاطر عمله في المخبز ومحاوطة النيران به من كل جانب، إلا أنه بات أمرًا اعتياديًا بالنسبة له، فيحكي :" كنت في الأول بخاف من النار وبتعب من الحر خاصة في الصيف، دلوقتي اتعودت وبقيت أنا كمان المسؤول عن تغيير الأنابيب لوحدي".
وفي أغسطس الماضي، رحل عن عالمنا 8 أطفال، لم يتجاوز عمر أكبرهم 14عامًا، في حادث الدواويس بطريق الإسماعيلية، لم يكن هؤلاء الأطفال في رحلة للترفية في الإجازة الصيفية، بل كانوا في طريقهم للشقاء المتكرر ومعاناتهم اليومية لحصد المانجو مقابل يومية 100 جنيه، بعد تصادم شاحنتين كانتا تقلّان عمالاً زراعيين في محافظة الإسماعيلية، وكان من بين مصابين الحادث كذلك 10أطفال.
مئات الألآف من الأطفال يُحرمون من طفولتهم، وتبدأ لديهم حياة المسئولية في وقت مبكر بين ورش الحدادة وأعمال النجارة ولهيب النار وغيرها من المهن التي لا تناسب أعمارهم، ولا يقتصر الأمر على ذلك فقط بل قد يصل إلى فقدان الحياة نفسها.
القوانين ليست غائبة، حيث تلتزم مصر في دستورها والقوانين المعمول بها فيها بمنع عمالة الأطفال، ولكن الواقع يقول غير ذلك، وتظهر الفجوة الحقيقية، وهو ما يؤكد أن المشكلة ليست في وجود نصوص تجرّم تشغيل الأطفال، ولا في غياب الجهات المكلفة بالرقابة والحماية.
ولكن هناك عدد من الأسئلة التي تطرح نفسها؛ ما الذي يحدث عندما يصطدم القانون بالواقع؟، ومن يكتشف الطفل العامل؟ ومن يحاسِب صاحب العمل؟ وكذلك: ماذا يحدث للطفل بعد ضبطه؟ هل تنتهي قصته مع العمل ويعود لطفولته أم تستمر مأساته دون جدوى؟..
وفي هذا التحقيق يتتبع رحلة الطفل داخل منظومة مكافحة عمالة الأطفال، ويفحص بالأرقام والوقائع الرسمية مدى قدرة أجهزة الرقابة والحماية على تنفيذ ما تنص عليه القوانين والخطط الحكومية، بحثًا عن الحلقة التي يتعطل عندها النظام وأين تكمن المشكلة.
الأمم المتحدة تُعرّف عمالة الأطفال بأنها الأعمال التي تثقل كاهلهم، وتهدد حياتهم، وتنتهك حقهم في التعليم، وتُقدّر منظمة اليونيسيف، عدد الأطفال الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في مصر بنحو 6.6 مليون طفل، في تقرير لها صادر عام 2025، وتحتل مصر المرتبة 44 عالميًا في مؤشر حقوق الطفل لعام 2025 من بين 194 دولة.
يومية الموت
يومية 70 جنيه مقابل عشر ساعات عمل، هذا ما يتقاضاه "أحمد" الطفل الذي لم يتجاوز العقد من عُمره، أجبرته الظروف على العمل كـ "صبي محار" مع إحدى جيرانه من أجل توفير احتياجاته الدراسية؛ بسبب ظروفهم المادية الصعبة.
مهتمه تكمن في تحضير معجون الأسمنت بالماء بعد نخله بالغربال لتفادي أية شوائب، رغم عدم تمكن يداه الصغيرتان من الإمساك بإحكام لكبر حجم المنخل ولثقل وزنه، إلا أنه بمرور الوقت يُصبح أكثر مهارة وشطارة.
يقول أحمد :" في الأول كنت بزعل علشان عاوز ألعب مع أصحابي بدل الشغل والصحيان بدري، بس لما اشتغلت اتعودت على التعب علشان يبقى معايا فلوس أقدر أروح بيها المدرسة".
وفي يونيو 2025، لقي 19 شخصًا مصرعهم، على الطريق الإقليمي بمحافظة المنوفية غالبيتهم فتيات مراهقات، منهم اثنتان لم تتجاوز أعمارهن الرابعة عشرة.
وفي ديسمبر 2025، لقى 8 أشخاص مصرعهم بينهم خمسة أطفال، الذين خرجوا للعمل في جني محصول الطماطم، إثر انقلاب واحتراق سيارة كانت تقلهم أثناء عودتهم من العمل في محافظة المنوفية.
وخلال الفترة من يناير إلى أبريل 2025، تم رصد 25 حادثة طرق تعرّض لها عمال الزراعة، نتج عنها 44 حالة وفاة، بينهم 12 قاصراً، وفقًا للتقرير الذي أعدته مؤسسة المرأة الجديدة، كما أسفرت هذه الحوادث عن 305 إصابات بين عمال وعاملات الزراعة، بينهم 81 قاصرًا.
ومن مخاطر عمالة الأطفال هو أنها قد تبدو في ظاهرها حلا لمشكلة الفقر بينما هي في الحقيقة يمكن أن تصبح سببا في إعادة إنتاج الفقر من جيل إلى آخر فالطفل الذي يترك المدرسة أو يذهب إلى الحقل أو المصنع أو الورشة في سن مبكرة يحصل على دخل محدود في الوقت الراهن لكنه يخسر جزءًا من فرصته في التعليم والتدريب واكتساب المهارات التي يمكن أن تمنحه مستقبلا دخلا أعلى وفرصة عمل أفضل وبالتالي فإن الاقتصاد يحصل على عامل صغير منخفض التكلفة اليوم لكنه يخسر عاملا أكثر إنتاجية وتأهيلا في المستقبل وهذه معادلة اقتصادية خاسرة حتى لو حققت لصاحب العمل منفعة مؤقتة، بحسب الدكتور أبوبكر الديب الخبير الاقتصادي.
فالطفل يعمل لأن الأسرة تحتاج إلى المال في كثير من الحالات لكنه لا يعني أن الحل هو استمرار الطفل في العمل وإنما يعني أن علينا معالجة السبب الاقتصادي الذي يدفع الأسرة إلى ذلك فالفقر وضعف دخل الأسرة وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم استقرار العمل للكبار كلها عوامل تدفع بعض الأسر إلى الاعتماد على دخل أطفالها ولذلك فإن مواجهة عمالة الأطفال تبدأ من تحسين قدرة الأسرة على الاعتماد على دخل البالغين وليس فقط من خلال معاقبة صاحب العمل أو الأسرة فكلما ارتفع دخل العامل البالغ وتحسنت فرص العمل أمامه قلت الحاجة الاقتصادية إلى إرسال الطفل إلى سوق العمل، كما أوضح الديب.
138 مليون طفل عامل في العالم
وبحسب أحدث التقارير والإحصاءات الصادرة عن منظمة العمل الدولية واليونيسف لعام 2024، يُعاني ما يقرب من 138 مليون طفل _59 مليون فتاة و78 مليون فتى_، من عمالة الأطفال في جميع أنحاء العالم، وهو ما يمثل حوالي 8% من جميع الأطفال على مستوى العالم؛ 54 مليون منهم يعملون في أعمال خطرة من المحتمل أن تضر بصحتهم أو سلامتهم أو أخلاقهم.
1,3 مليون طفل عامل في مصر
وقدر تقرير المسح القومي لعمالة الأطفال في مصر 2010، الصادر عن منظمة العمل الدولية بالتعاون مع بعض الجهات الأخرى، بـ 1.8، بينما قدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عدد الأطفال العاملين في مصر بنحو 1.6 مليون طفل (في الفئة العمرية من 12 إلى 17 سنة).
وفي نوفمبر 2014، جاء في تقرير منظمات حقوق الإنسان الغير الحكومية في جنيف ضمن آلية العرض الشامل للوضع الحقوقي في مصر أمام الأمم المتحدة، إلى تقديرها بحوالي 2.7 مليون طفل عامل، وهو ما يقارب ضعف الرقم الرسمي الذي أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء حتى 2014.
900 ألف طفل مصري يعملون في بيئات خطرة
ووفقًا لآخر مسح حكومي شامل، أُجري عام 2021، ظهر أن هناك نحو 1,3 مليون طفل عامل في مصر، بينهم نحو 900 ألف يعملون في بيئات خطرة، كما تُقدّر منظمة "اليونيسيف"، في تقرير صادر عام 2025، عدد الأطفال الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في مصر، بنحو 6.6 مليون طفل.
ووفقًا لمنظمة العمل الدولية، فيمثل العمل غير الرسمي نحو 67% من إجمالي الوظائف في مصر، ويشمل تقريباً كامل القطاع الزراعي، فيما تشير تقديرات رسمية، إلى أن نحو 63% من الأطفال العاملين في مصر يعملون في قطاع الزراعة.
تشريع قانون العمل تضمن فصل عن عمالة الأطفال وضوابطها، وفقًا لمعايير العمل الدولية، والنصوص جاءت مستوفية، فيجوز تدريب الطفل من سن الثالثة عشر، إلا إنه لا تجوز عمالته إلا ببلوغ سن الخامسة عشر، بحسب عادل عبدالفضيل الرئيس السابق للجنة القوى العاملة بالبرلمان.
كما أن القانون حذر من عمل الأطفال أكثر من 6 ساعات، وصاحب العمل مُلزم بتنفيذ القانون وقبول الأطفال كـ متدربين وليست عاملين، وحال عدم الالتزام بذلك فإنه يتعرض للمعاقبة والمحاسبة وفقًا لنص القانون.
وبالسؤال عن الرقابة الفعلية البرلمانية على نتائج تفتيش وزارة العمل في ملف عمالة الأطفال، يوضح الرئيس السابق للجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن البرلمان يستخدم أدواته التي حددها القانون في الرقابة على الحكومة، ولا يستطع استحداث أدوات جديدة.
3 قطاعات رئيسية لعمالة الأطفال
وتتوزع عمالة الأطفال عالميًا بحسب التقارير والإحصاءات الصادرة عن منظمة العمل الدولية واليونيسف على ثلاثة قطاعات رئيسية وهي: قطاع الزراعة وهو القطاع الأكبر لعمالة الأطفال، إذ تبلغ نسبة الأطفال العاملين فيه 61%من المجموع، ويتبعه قطاع الخدمات 27%من قبيل العمل في المنازل وبيع السلع في الأسواق، ثم قطاع الصناعة 13% بما في ذلك المناجم والتصنيع.
ووفقاً للمسح القومي لعمل الأطفال في مصر والخطة الوطنية الصادرة بالتعاون بين الحكومة المصرية ومنظمة العمل الدولية، فإن قطاع الزراعة هو أكثر الأعمال التي يعمل بها الأطفال في مصر بنسبة بلغت 63% من إجمالي عمالة الأطفال في مصر، ويشمل العمل في مزارع وحقول الأسر دون أجر، أو جمع القطن، وجني المحاصيل، ورش المبيدات.
وفي المرتبة الثانية تأتي المواقع الصناعية والتعدين بنسبة 18.9%، ويشمل العمل الشاق في مصانع الطوب الطفلي، والمحاجر، ومناجم التعدين، وأعمال التشييد والبناء، ويليها قطاع الخدمات والأنشطة التجارية بنسبة 17.6%،ويشمل البيع في الشوارع، والعمل بالمقاهي، وتوصيل الطلبات للمتاجر الصغيرة، كما تعد الخدمة المنزلية رابع أكثر المهن شيوعاً، وتتركز بشكل أساسي بين الفتيات اللاتي يعملن في منازل الآخرين.
ويشهد الريف المصري النسبة الأكبر من عمالة الأطفال، فيقطن فيه حوالي 80% من إجمالي الأطفال المنخرطين في سوق العمل، وتتمثل طبيعة المخاطر الشائعة في العمل وسط الأتربة والدخان بنسبة 45.7%، يليه العمل المؤدي للإجهاد البدني الشديد، ثم الانحناء لفترات طويلة.
وعمالة الأطفال لا يجب أن ننظر إليها باعتبارها مجرد مشكلة اجتماعية أو إنسانية منفصلة عن الاقتصاد وإنما يجب أن ندرك أنها في جوهرها واحدة من أخطر صور الاختلال الاقتصادي لأنها تعكس وجود فجوة في سوق العمل وفي مستويات دخول الأسر وفي قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل لائقة للكبار وفي بعض الحالات يلجأ بعض المزارعين وأصحاب الورش والمصانع إلى تشغيل الأطفال لأن تكلفة تشغيل الطفل تكون أقل من تكلفة تشغيل العامل البالغ وهو ما قد يبدو لصاحب العمل في الحسابات القصيرة الأجل وسيلة لتقليل النفقات وزيادة هامش الربح لكنه في الحقيقة يمثل خسارة اقتصادية واجتماعية أكبر بكثير من الوفر الذي يحققه صاحب العمل، وذلك بحسب الدكتور أبوبكر الديب الخبير الاقتصادي.
خاصة أن تشغيل الطفل بأجر زهيد لا يخفض فقط تكلفة الإنتاج وإنما يضغط أيضا على أجور العمال البالغين ويزيد المنافسة غير العادلة في سوق العمل ويدفع بعض أصحاب الأعمال إلى البحث عن العمالة الأرخص بدلا من الاستثمار في الإنتاجية والتكنولوجيا والتدريب وتحسين ظروف العمل وهنا تتحول المشكلة من مجرد تشغيل طفل إلى تشويه كامل لآليات سوق العمل.
حظر تشغيل الأطفال على الورق
وتنص المادة 80 من الدستور المصري لسنة 2014، على تحديد مرحلة الطفولة، بأنه يعتبر طفلًا كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، ومد مظلة التعليم الأساسي حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها.
القانون المصري ينظم عمالة الأطفال وضوابطها لحمايتهم من الاستغلال الاقتصادي عبر مجموعة من القواعد القانونية وفقاً لقانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008 وقانون العمل رقم 12 لسنة 2003.
وفقًا للمادة 2 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، يقصد بالطفل في مجال الرعاية كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وتتنوع صور الرعاية وفق أحكام القانون إلى: الرعاية الصحية، الاجتماعية، الرعاية البديلة، والحماية من أخطار المرور، والمادة (59/1) من ذات القانون قصرت مرحلة التعليم الأساسي على الابتدائية والإعدادية دون الثانوية.
وتنص المادة 99 من قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، بأنه تحظر تشغيل الأطفال من الإناث والذكور قبل بلوغهم سن إتمام التعليم الأساسي أو أربع عشرة سنة أيهما أكبر، كما تنص المادة 100 من القانون نفسه، على أن يصدر الوزير المختص قرارًا بتحديد نظام تشغيل الأطفال والظروف والشروط والأحوال التي يتم فيها التشغيل، وكذلك الأعمال والمهن والصناعات التي يحظر تشغيلهم فيها وفقًا لمراحل السن المختلفة.
والعام الماضي أقرت مصر قانوناً جديداً للعمل، رقم 14 لسنة 2025، يحظر تشغيل الأطفال قبل سن 15 عاماً، مع السماح بالتدريب من سن 14، ومنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرّض صحتهم أو أخلاقهم للخطر، كما حدد القانون ساعات العمل بست ساعات يومياً، مع فترات راحة، ومنع العمل الإضافي أو في أيام الراحة، وفي جميع الأحوال، يحظر تشغيل الطفل فيما بين الساعة السابعة مساءً والسابعة صباحا .
وفي مارس الماضي، أصدر حسن رداد، وزير العمل، قرار وزاري رقم 50 لسنة 2026 بشأن تنظيم قواعد تشغيل وتدريب الأطفال وحظر عملهم في المهن الخطرة، ونص القرار على حظر تشغيل الأطفال قبل إتمام مرحلة التعليم الأساسي أو قبل بلوغ سن 15 عامًا، مع السماح بتدريبهم مهنيًا اعتبارًا من سن 14 عامًا وفق ضوابط محددة تكفل حمايتهم وضمان عدم الإضرار بصحتهم أو تعليمهم.
تضمن القرار أيضاً، قوائم تفصيلية بالمهن "الخطرة" التي يُمنع تواجد الأطفال فيها نهائياً حفاظاً على سلامتهم الجسدية والنفسية، وأبرزها العمل في المناجم والمحاجر وصناعة الأسفلت والمنسوجات والتعامل مع المواد الكيمياوية والنفايات الخطرة، كما حدد القرار بدقة الأوزان والحمولات المسموح للأطفال بحملها بما يتناسب مع قدراتهم البدنية لضمان بيئة عمل آمنة.
وكان هناك الخطة الوطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمل الأطفال من (2018-2025)، والتي خصص لها مشروع بين منظمة الأمم المتحدة للطفولة والأمومة وبرنامج الغذاء العالمي ومنظمة العمل الدولية ممثلة بمكتب منظمة العمل بالقاهرة، بالإضافة إلى وزارة القوى العاملة، لاتخاذ خطوات تساهم في مكافحة عمالة الأطفال ووضع استراتيجيات وآليات للسيطرة عليها.
أحمد مصيلحي رئيس شبكة الدفاع عن حقوق الطفل، يرى إن المشرع المصري وضع قانونًا يُجرم عمالة الأطفال، دون سن الخامسة عشر، بل وغلظها، إذ تصل عقوبة رب العمل إلى السجن 5 سنوات في بعض الحالات، إلا أن ذلك لم يحمي الطفولة من الشقاء والتعرض للمخاطر التي قد تودي بحياتهم.
هناك عدة أسباب تقف عائقًا أمام تطبيق القانون؛ منها الثقافات المجتمعية الموروثة خاصة في كل ما يتعلق بالأطفال والمرأة، فهناك موروث ثقافي منتشر في كثير من المجتمعات خاصة الريفية يحث ع ضرورة عمل الطفل لكي يعتمد على ذاته من صغره، وهذا يتطلب وعيًا ثقافيًا، بحسب مصيلحي.
والسب التاني يكمن في تعنت موظفو الجهاز الإداري في تطبيق القانون، وهذا يستلزم تدريبًا شاملًا ومستمرًا، حتى يتسنى تغعيل دور إدارات التفتيش عن عمل الأطفال بجميع محافظات مصر، وفقًا لـ رئيس شبكة الدفاع عن حقوق الطفل.
ولا يمكن إنكار أن الفقر المدقع، الذي تعيشه الكثير من الأسر من أهم أسباب عمالة الأطفال بل ويتربع على رأس الأسباب، فهو أول من يدفع بالأطفال لسوق العمل، وهنا لا بد من تطبيق القانون، بصرف معاشات لكل طفل يفقد من يعوله، كما ذكر مصيلحي.
اتفاقيات دولية لمكافحة عمالة الأطفال
وهناك عدد من التشريعات والاتفاقيات الدولية التي تلتزم بها مصر لمكافحة عمالة الأطفال وتوفير الحماية اللازمة لهم، مثل: اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام، اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 129 بشأن تفتيش العمل في قطاع الزراعة،اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال.
وفي المادة 3 من اتفاقية منظمة العمل الدولية "أسوأ أشكال عمل الأطفال" الصادرة 1999، فإن تعبير "أسوأ أشكال عمل الأطفال" في مفهوم هذه الاتفاقية يعني كافة أشكال الرق أو الممارسات الشبيهة بالرق، كبيع الأطفال والاتجار بهم وعبودية الدين والقنانة والعمل القسري أو الإجباري، بما في ذلك التجنيد القسري أو الإجباري للأطفال لاستخدامهم في صراعات مسلحة.
وأيضًا، استخدام طفل أو تشغيله أو عرضه لأغراض الدعارة، أو لإنتاج أعمال إباحية أو أداء عروض إباحية،استخدام طفل أو تشغيله أو عرضه لمزاولة أنشطة غير مشروعة، ولا سيما إنتاج المخدرات بالشكل الذي حددت فيه في المعاهدات الدولية ذات الصلة والاتجار بها، وكذلك الأعمال التي يرجح أن تؤدي، بفعل طبيعتها أو بفعل الظروف التي تزاول فيها، إلى الإضرار بصحة الأطفال أو سلامتهم أو سلوكهم الأخلاقي.
حماية الأطفال ضرورة وهنا يكمن الحل..
فحل مشكلة عمالة الأطفال لا تقف عند تشريع القوانين وتغليظ العقوبة فقط، بل تتطلب العمل وفق استراتيجية وسياسات وخطة بمشاركة جميع الأطراف بما فيها مختلف الوزارات والمجلس القومي للطفولة والأمومة والجمعيات الأهلية وأيضًا القطاع الخاص وفقًا لـ أحمد مصيلحي، رئيس شبكة الدفاع عن الطفل.
الجبهة المصرية لحقوق الإنسان دعت في تقرير صادر عنها الدول المستوردة للمنتجات الزراعية المصرية إلى التأكد من عدم انتهاك حقوق الطفل خلال عمليات الإنتاج، قبل إبرام أي عقود استيراد، مع إدراج شروط واضحة للحماية والسلامة، خاصة للنساء والأطفال العاملين في القطاع الزراعي.
المؤتمر الدائم للمرأة العاملة أعلن رفضه لجميع أشكال عمالة الأطفال في مصر، وأوصي بضرورة مراجعة القوانين المنظمة لأحكام قانون العمل والتأمين بشأن الطفل العامل في ظل الدستور الحالي لعام 2014، الذي مد مظلة التعليم الأساسي للمرحلة الثانوية وحدد سن الطفولة.
كما أوصى بعدم استبعاد قانون العمل رقم 12 لعام 2003 العمالة المنزلية من حمايته، وإلغاء المادة الرابعة به التي تنص على استبعادهم، وإعادة تأهيل الأطفال العاملين ودمجهم اجتماعياً من خلال اهتمام الدولة بإصلاح منظومة التعليم، والعمل على تطوير المدارس الحكومية وتخفيض الرسوم المدرسية للطلاب غير القادرين، وتفعيل الأنشطة المهنية والصناعية التي تتيح للطفل اكتساب مهنة حتى المرحلة الثانوية.
وأيضًا، الاهتمام بالرعاية الصحية للأطفال العاملين وتوفير تأمين صحي لهم، وتطوير التشريعات القانونية وتعديلها للحد من عمل الأطفال بما يتفق مع الاتفاقيات والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان، وتشديد العقوبة على صاحب العمل المخالف لأحكام القانون في هذا الشأن.
وكذلك، تكثيف المراقبة والتفتيش على الأماكن التي يعمل بها الأطفال للتأكد من تطبيق أحكام قانون العمل وقانون الطفل والأنظمة والقرارات الصادرة بموجبه، وتخصيص قاعدة بيانات تحتوي على المعلومات والإحصائيات الخاصة بعمل الأطفال، وتطبيق منهجية علمية لجمع البيانات الإحصائية وتحديثها وتطويرها بشكل دوري.
وعا المؤتمر الدائم للمرأة العاملة إلى توحيد المواد المعنية بحقوق الأطفال العاملين في قانون الطفل وقانون العمل دون استثناء. على سبيل المثال، إلغاء الفقرة الثانية من المادة 64 التي تتيح تشغيل الأطفال من سن 12 إلى 14 بقرار من الوزير المختص في أعمال موسمية، وتشديد العقوبة على مخالفة أحكام باب تشغيل الأطفال. إلى جانب مد الحماية التشريعية لتشمل الأطفال العاملين في الزراعة والعمالة المنزلية، وتنظيمها من خلال اللائحة التنفيذية لقانون الطفل والقرارات المنظمة له، أسوة بالقرارات التي تنظم عمل البالغين العاملين في الزراعة.
والدولة أمام معادلة دقيقة للغاية لأن منع عمالة الأطفال بالقانون وحده لن يكون كافيا إذا لم يصاحبه بديل اقتصادي للأسرة ولذلك فإن الرقابة والعقوبات يجب أن تسير بالتوازي مع سياسات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجا وتحسين دخول العمال وتوفير فرص عمل للكبار ودعم التعليم في المناطق الأكثر فقرا وربط مكافحة عمالة الأطفال بسياسات التنمية الريفية والصناعية وليس التعامل معها باعتبارها ملفا منفصلا، كما ذكر أبوبكر الديب الخبير الاقتصادي.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض