حكاية وطن
فى عام 1856 منح والى مصر محمد سعيد، المهندس الفرنسى فردينالد ديليسبس امتياز الحفر وتشغيل قناة بحرية تربط بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط مدته 99 عاماً تبدأ من تاريخ فتح القناة للملاحة البحرية، مقابل أن يكون للحكومة المصرية 15 فى المائة من أرباح القناة. وقام «فردينالد» بتأسيس الشركة العالمية لقناة السويس، وبدأت عملية الحفر فى إبريل عام 1859، واستمرت 10 سنوات، وبلغ عدد العمال الذين تم استخدامهم فى الحفر نحو 1٫5 مليون عامل معظمهم من المصريين من أهالى الوجهين القبلى والبحرى. انفرد «فردينالد» وحده بوضع لائحة العمال التى ضمنت للشركة الموارد البشرية الهائلة من خلال تعبئة المصريين لحفر القناة طبقاً للطلبات التى يتقدم بها كبير مهندسى الشركة المهندس الفرنسى فوزان، الذى كان مسئولًا عن الحياة اليومية فى موقع الحفر والعمال من مختلف الجنسيات ومسألة السخرة الواقعة على الفلاحين المصريين بأوامر من ديليسبس.
حددت اللائحة التى انفرد ديليسبس بوضعها أجور العمال التى تراوحت ما بين قرش ونصف القرش وثلاثة قروش فى اليوم، وإذا كان العامل دون الثانية عشرة من عمره يتقاضى قرشاً واحداً فى اليوم، والتزمت الشركة بتقديم الخبز المقدد إلى كل عامل، ونصت اللائحة على فرض عقوبات على العمال الهاربين من الحفر بخصم أجر الخمسة عشر يوماً المحفوظة بخزانة الشركة، كما نصت اللائحة على إنشاء مستشفى ميدانى بمنطقة الحفر ومراكز للإسعاف مزودة بالأدوية. ولكن القهر الذى كان يشع من عينى المهندس ديليسبس تجاه العمال المصريين جعله ينقض اللائحة، ونقض وعده بحفر قناة ماء عذب لمد العمال بمياه الشرب ما أدى للتضحية بآلاف العمال الذين أنهكتهم شدة العطش والانهيارات الرملية. ثم توالى سقوط آلاف العمال بسبب انتشار الأوبئة. كما خالفت الشركة وعدها بتوفير وسائل متطورة فى الحفر، وأجبرت الشركة العمال المصريين على العمل فى ظروف قاسية معتمدين فقط على سواعدهم وعلى الفأس والقفة! كانت مدينة الزقازيق هى منطقة فرز العمال التى كان يستبعد بها أصحاب الأجسام النحيلة ويختار منهم الشبان الأقوياء الذين يرسلون إلى منطقة القناة سيراً على الأقدام فى أربعة أيام وهم مقيدون بالحبال يحمل كل منهم قلة ماء وكيس خبز جاف، فيصلون إلى ساحات الحفر منهكى القوى، فيتبع وصولهم إصدار الأوامر بتسريح العمال القدامى الذين أمضوا شهراً كاملاً وهى المدة المقررة لبقائهم. كانت عملية الحفر من المشاهد المثيرة التى يحرص على رؤيتها السائحون الأجانب، وتمادت الشركة فى تعنتها، ولم تدفع أجور العمال، واستمر نقص المؤن والملابس والأحذية، كما أنشأت الشركة معتقلاً ترسل إليه من يسىء السلوك، وأصدرت تعليمات إلى الإدارة الطبية ومركز الإسعاف بتركيز خدمات العلاج على العمال والموظفين الأجانب فقط، ما عرض العمال المصريين بشكل مجحف للموت من شدة فتك الأمراض بهم. وكانت أكثر الأمراض انتشاراً بين العمال كما كشفت التقارير الطبية التى تم إيداعها مكتب بلدية الإسكندرية، هى النزلات الشعبية والأمراض الصدرية، والرمدية، وحالات الإسهال الشديد والدوسنتاريا، وأمراض الكبد، والجدرى والسل، ثم جاءت الكوليرا فى صيف عام 1865، وعصفت بالعمال لدرجة أن الشركة لم تجد رجالاً يرفعون جثث الموتى الذين كانوا يتم دفنهم فى الصحراء، وتلاها ظهور مأساة تعرض العمال خلال الحفر لمادة أصابت آلاف العمال بالأمراض الغامضة التى أدت إلى وفاتهم.
وفى 25 إبريل عام 1859، دشن ديليسبس حفر القناة فى عهد محمد سعيد باشا وانتهى العمل بها بعد 10 سنوات فى عهد الخديو إسماعيل، الذى سافر إلى أوروبا لدعوة الملوك والأمراء ورؤساء الحكومات ورجال السياسة والفن لحضور حفل افتتاح القناة الذى عزم على أن يقيمه فى 16 نوفمبر 1869 وبعد أن عاد الخديو إسماعيل إلى مصر بدأ فى الإعداد للحفل الكبير، فاستقدم 500 طاهٍ وألف خادم ليكونوا فى خدمة الضيوف، وطلب من ديليسبس أن يستعد لضيافة 6 آلاف مدعو.
رحم الله أجدادنا الذين رووا بدمائهم رمال قناة السويس دون أن يتذكرهم أحد فى حفلات المجون بتدشين القناة، ولكن لن ينساهم أحفادهم الذين ينعمون بخير قناة السويس التى قدموها لهم كأهم شريان مائى فى العالم بعد حفرها بأظافرها ودموعهم ودمائهم، ولذلك لن يفرط فيها الأحفاد.
مهما تكالب عليهم اللئام، بعد أن حفرها المصريون بالدم وحرروها من عدوان ثلاث دول بالدم أيضاً، هى إرث جدودنا عيسى وعويس، ولابد من أن نحافظ عليها ونعتبرها أمناً قومياً ومن مفردات سيادة الدولة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض