د. ﻣﺤﺴﻦ ﻓﺮﺟﺎﻧﻰ.. ﻋﺮاب اﻟﺼﻴﻨﻴﺔ ﻟﻠﻮﻓﺪ:
الصين فى عيون العرب تنين اقتصادى وثقافة غائبة
المترجم يمضى عمره فى الاتجاه المعاكس للغته فيتحول لجسر بين ثقافتين
الشعوب لا تتقارب إلا حين تقرأ تراث بعضها
الأدب.. الترجمة.. التاريخ.. قوة ناعمة لا يستهان بها
الصين الحديثة أعادت كونفوشيوس إلى مقدمة المشهد الثقافي
أدعو القارئ العربى لاكتشاف «الحكمة الأخرى» لفهم الشخصية الصينية
كادت الفلسفة الطاوية أن تفقدنى شغفى بالترجمة
الرموز الصينية تشبه كتابة المصريين القدماء
لا أعترف بالمترجم الشامل.. وأؤمن بمن يزرع فى حقل معرفى واحد
حين وقعت بين يدى مصادفة، منذ سنوات، رواية «الذرة الرفيعة الحمراء» للروائى الصينى «مويان»، الحائز جائزة نوبل عام ٢٠١٣، وجدته يفتح لى باباً إلى عالم بعيد فى جغرافيته، قريب ومربك فى إنسانيته، هكذا اقتربت للمرة الأولى من حضارة لها ذاكرتها ومخيلتها وأسئلتها الخاصة، ومنذاك تحول الفضول إلى شغف، وتوالدت فى رأسى أسئلة كثيرة عن الأدب الصينى، وعن أثر آلاف السنين من الحضارة فى وجدان الكاتب، وعن الصين التى لا نعرف عنها، نحن العرب، إلا القليل، لكنها أسئلة بقيت عالقة فى سماء ذهنى دون إجابة.
لذا، فقد جلست أمام الدكتور محسن فرجانى المترجم الأشهر، والأستاذ المساعد بقسم اللغة الصينية، بكلية الألسن، جامعة عين شمس، وأنا أحمل معى شغفى الأول وأسئلته، فشعرت بأننى لا أحاور مجرد مترجم، وإنما رجل أمضى عمراً فى الاتجاه المعاكس، فقد ذهب إلى اللغة الصينية، وتوغل فى تراثها وفلسفتها وأدبها، ثم عاد محملاً بالكتب، محاولاً أن يبنى بها جسراً بين ثقافتين.
ولم يكن ممكناً أن أجرى هذا الحوار فى هذه اللحظة تحديداً دون أن تحضر الصين فى المشهد الأوسع؛ فزيارة الرئيس الصينى شى جين بينج إلى مصر قبل أيام أعادت إلى الواجهة عمق العلاقة بين البلدين، وأكدت أن ما يجمعهما لم يعد محصوراً فى السياسة والاقتصاد، وإنما يحتاج كذلك إلى جسور إنسانية وثقافية تجعل الشعبين أكثر معرفة ببعضهما بعضاً.
ومن هنا تبدو تجربة فرجانى شديدة الدلالة؛ فقد ترجم إلى العربية عدداً كبيراً من أمهات الفكر الصينى، من «الحوار» و«الطاو» و«الكتب الأربعة» إلى «ليتزو»، واقترب من الأدب الصينى الحديث والمعاصر، فترجم أعمالاً لمويان، إلى جانب الكثير من التجارب الأدبية الصينية، وحصل عام 2013 على جائزة الإسهام المتميز فى الكتاب الصينى، ثم كرمه الرئيس شى جين بينج فى القاهرة عام 2016 بجائزة المساهمات البارزة للصداقة العربية الصينية.
وأنا أستمع إليه، أدركت أن الترجمة فى تجربته ليست نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل نقل طريقة فى التفكير وذاكرة حضارية وصورة أخرى للصين؛ صورة لا تختزل فى اقتصادها الصاعد أو حضورها السياسى، لكنها تمتد إلى لغتها وفلسفتها وأساطيرها وفنونها وحياة شعبها، فالعلاقات بين الدول قد تبنيها الاتفاقيات والمصالح والمشروعات، لكن الشعوب لا تتقارب حقاً إلا حين تقرأ بعضها بعضاً، ومن هنا يصبح الأدب والترجمة قوة ناعمة، وجسراً لا تعبره البضائع، وإنما الأفكار والمشاعر والأسئلة، وربما كان هذا هو السؤال الذى قادنى إلى هذا الحوار منذ قراءتى الأولى لمويان: كم من الصين ما زال ينتظر أن نكتشفه؟
حملت شغفى ومعها أسئلتى، فكان هذا الحوار:
< كثيراً ما تختزل الصين فى صورتها كقوة اقتصادية وسياسية صاعدة، كيف تفسر خصوصية القوة الثقافية الصينية، وهل يمكن أن تكون الثقافة هى مفتاح فهم صعود الصين؟
<< الجزء الأخير من السؤال يحمل إشارات مفتاحية إلى إجابته، فالثقافة بالفعل هى مدخل لفهم صعود الصين؛ باعتبارها القوة الكامنة فى تاريخها القديم وفى مشروع نهضتها الحديث، ورغم أننا جميعاً نرى الآن من الصين وجهها المتقدم فى الاقتصاد والسياسة فهناك وجه آخر أكثر إشراقاً وأعرق تاريخاً هو وجه عراقتها الثقافية الذى يظهر فى أشياء ليست ملموسة أو معهودة، مثل اللغة والتقاليد والأعراف والقيم الأصيلة التى يلمسها زائر الصين فى المناطق الحضرية والريفية على حد سواء.
< اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما تحمل طريقة شعب فى رؤية العالم.. ماذا تكشف اللغة الصينية عن العقل والثقافة والشخصية الصينية؟
<< اللغة الصينية، وخصوصاً الأشكال الكتابية الرمزية تحمل، فعلاً، طريقة الصينيين فى النظر إلى صور الحياة بعناصرها المختلفة، ولعل الجانب المشترك بين مصر والصين فى مسألة اختراع نظام الكتابة التصويرى يرجع أساساً إلى فكرة الاهتمام برصد المعانى عندما تكتسب قيمة تاريخية بالتدوين، على عكس النظم الألفبائية فى الكتابة التى تعتمد على الأصوات فى التواصل الإنسانى بتجريد عناصر المعنى فى أبجديات تقبل التحوير والحذف والتأويل، أما النظم الكتابية التصويرية فتعكس اهتماماً بالوضوح والدقة والعدالة فى تفهم المعانى.
< كيف انعكست استمرارية حضارة الصين على الأدب الصينى، وهل يشعر الكاتب الصينى المعاصر بأنه يكتب وفى داخله ذاكرة آلاف السنين؟
<< الجزء الثانى من العبارة يوضح المقصود من سؤالك حول فكرة الاستمرارية التى تميزت بها عناصر الحضارة الصينية، بالدرجة التى جعلتها تواصل حلقاتها دون انقطاع، من الماضى إلى الحاضر، وأظن أن هذا التواصل الدائم بين حلقات الثقافة الصينية يجعل الكاتب الصينى شاهداً على ميراث عصور قديمة وحافظاً لطاقات بقائها وتواصلها بالكتابة، ورغم اختلاف بنية الصينية الكلاسيكية عن اللغة الدارجة هناك الآن، ما يجعل من الصعب على الأجيال المعاصرة فهم النصوص القديمة، فما زالت أشكال الكتابة التصويرية قائمة على نحو ما كانت عليه من مئات السنين، وما زالت تحمل المعانى نفسها ورشاقة تركيبها الفنى الجمالى، ومرونة استجابتها لتطورات الحياة.
< تحضر الأسطورة بقوة فى الأدب الصينى، وكأنها جسر يصل الماضى بالحاضر.. كيف وظف الأدباء الصينيون الأساطير والموروثات الشعبية، وكيف تحولت الشخصيات الأسطورية إلى رموز لأسئلة الإنسان الصينى المعاصر؟
<< الأسطورة الأكثر وضوحاً فى الأدب الصينى هى تلك التى تتحدى الفناء.. أسطورة عشق الحياة.. أسطورة مختلفة عن مواريث الخرافات القديمة، فالتاريخ الثقافى الحديث للصين نشأ مع حركة فكرية كبرى قامت فى 4 مايو سنة 1919 وكان مطلبها الانقطاع عن مواريث الماضى التى تقيد حركة الحياة وتعوق التقدم.. وكان من أهم مطالبها أيضاً ضرورة إسراع الصين فى الدخول إلى ساحة العصر الحديث، أما الموروث الشعبى فلم ينقطع يوماً عن الحضور فى ساحة الأداء الفنى، بالحكى والمسرح الغنائى ومختلف مظاهر الأداء التلقائى، منذ أقدم العصور، والنموذج الأكثر وضوحاً فى هذا هو مسرح «أوبرا بكين التقليدية» التى ما زالت تؤدى على مدى أحقاب تاريخية طويلة حتى اليوم، وهى عبارة عن أوبرا مسرحى غنائى شعبى، متوارث من عهود قديمة.
< إلى أى مدى لا يزال الفكر الكونفوشيوسى والطاوى حاضراً فى الأدب والثقافة الصينية المعاصرة؟ وهل تغيرت علاقة الإنسان الصينى الحديث بهذه المرجعيات القديمة؟
- منذ لحظة كنت أحدثك عن حركة التجديد الفكرى فى 4 مايو 1919 هناك، وكانت تلك حركة طلابية فى الأساس، تحركت من جامعة بكين إلى أكبر ميادين العاصمة الصينية وقتئذ، وانضم الناس إلى صفوفها، وكان من بين أبرز مطالبها إغلاق صفحة الفكر الكونفوشى وكل الفلسفات الصينية القديمة التى زعم المثقفون أنها السبب فى تخلف البلاد، وظل هذا الصوت الثائر على الفكر القديم قائماً حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين، لكن صين اليوم أعادت الاعتبار للفكر الكونفوشى ومواريثها القديمة، وذلك تحت لافتة «استنهاض طاقة الأمة الصينية»، وللحق فلم تكن الصين ضد تجديد طاقة مواريثها الفكرية حتى فى ظل الدعاوى الجامحة للقضاء على الميراث الكونفوشى والطاوى، وهناك كلمة مأثورة عن الزعيم الصينى «ماوتسى تونغ» قال فيها إن من حق البلاد..«أن تستعير من الماضى ما يلهم الحاضر ومن العالم الخارجى ما يفيد الداخل المحلى».
< ترجمت أعمالاً صينية كثيرة إلى العربية.. عندما تنظر اليوم إلى مجمل تجربتك فى الترجمة، هل ترى أنك كنت تنقل نصوصاً أدبية فقط، أم كنت تنقل طريقة كاملة فى التفكير ورؤية مختلفة للعالم؟
<< أتصور أننى عندما ركزت جهد الترجمة فى مشروع نقل أهم كتب التراث الصينى كنت أحاول التعريف بجانب مهم من قاعدة البناء الفكرى للحضارة الصينية، ومع الوقت أدركت أن هذا الجهد يمكن أن يكون خطوة فى مشوار التوازن فى رؤيتنا العربية للعالم من حولنا، تصورت أن هذه الترجمة ليست مجرد نصوص بل إعادة اعتبار لعلاقات عربية صينية قديمة وتفعيل للموقع المركزى للمنطقة العربية وسط العالم، بالمعنى الثقافى مثلما هو بالمعنى الجغرافى، فنحن العرب فى موقع وسط بين الحضارات العالمية القديمة والحديثة، وقيمة هذا التمركز وسط العالم تحتاج لتفعيل ولدور حقيقى فى التواصل أو الحوار الحضارى مع الشرق والغرب على حد سواء، وبالنسبة للصين فترجمة تراثها هو نوع من إعادة التعريف للصين فى عصر حديث بعد عصور طويلة من التواصل التجارى البرى والبحرى معها على طرق الرحلات القديمة.
< من خلال الكتب الصينية التى نقلتها إلى العربية، أى صورة للصين اكتشفت أنها غائبة عن القارئ العربى؟ وهل غيرت الترجمة الطويلة لهذه الأعمال شيئاً فى رؤيتك للأدب والثقافة الصينية؟
<< كثير من صور الصين المهمة غائبة عن القارئ العربى؛ صورة الفكر القديم وتأثيره فى محيطها الآسيوى، وصورة الصين المعاصرة بطموحها وكفاحها، وصورة إبداعها فى الأدب والفن، وحياة الناس من الداخل، وقد أسهم سوء الفهم وضيق المعرفة أحياناً فى تكريس صور نمطية، كما فعلت «بيرل بك» فى «الأرض الطيبة»، حين بالغت فى تصوير بعض العادات الصينية بما أقام حواجز بدل أن يبنى جسوراً.
والصين ليست عالماً واحداً، بل عالم واسع متعدد القوميات والتواريخ والثقافات؛ فهى تضم خمساً وخمسين قومية، لكل منها خصوصيتها، وإن اندمجت جميعاً فى كتلة حضارية واحدة، وينعكس هذا التنوع فى الأدب الصينى الذى لا يقتصر على أدب قومية الهان، بل يشمل أدب التبت ومنغوليا الداخلية وشينجيانغ، إلى جانب آداب المدن الكبرى وهونغ كونغ وماكاو وتايوان، والأرياف والمناطق الرعوية.
لذلك يبدو «الأدب الصينى» عنواناً جامعاً يخفى وراءه تنوعاً إقليمياً وعرقياً وتاريخياً هائلاً؛ فهو مظلة كبرى تجمع تجارب متعددة، لكنها تظل متماسكة داخل نسيج حضارى واحد.
< ما أصعب ما واجهك فى ترجمة الأدب الصينى إلى العربية: اللغة، أم الرموز الثقافية، أم الأمثال والتعبيرات المرتبطة بخصوصية المجتمع الصينى؟
<< لرموز الثقافية ذات الخصوصية المحلية صعبة على أى مترجم، وكثيراً ما بحثت عن نماذج من تلك الترجمات التى تصرف فيها النأقلون بطرق ذكية على أمل أن أتعلم منها وسائل للتعبير عن رموز معقدة فى حديث الناس اليومى وتقاليد حياتهم التى تحتوى على عناصر صعبة على الترجمة، لكن أصعب ما واجهته على الإطلاق كان فى ترجمة كتب الفلسفة الطاوية الثلاثة: لاوتسى، وليتسو، والشيخ الحكيم «تشوانغ تزو»، الذى ترجمت له مؤخراً كتاب «الحكمة الأخرى» وهذا من أصعب النصوص التى أرهقتنى ترجمتها؛ لدرجة أننى فقدت حماسى وطاقتى بعدها لمشروع الترجمة كله، من الأساس، فقد كان نص الكتاب بطبيعة عباراته القريبة من منهج الصوفية فى الإشارات المستغلقة صعباً على الترجمة، وعندما كنت أستشير أصدقاء صينيين من الخبراء فى الفكر القديم كنت أجدهم، هم أنفسهم، عاجزين عن تفسير كثير من عبارات النص الأصلى، وكثيراً ما كرروا لى القول نفسه، من أن القارئ الصينى، هو نفسه، يعجز عن فهم عبارات الأصل، فما ظنك بمترجم عربى؟ وعلى هذا فقد اتخذت منهج الترجمة التفسيرية فى نقله إلى العربية من أجل إضاءة جنباته المستعصية على الفهم، وطبعاً لم يكن هذا إقحاماً على النص، بل استفادة من الشروح التفسيرية المصاحبة للمتن.
< أين تقف بين حرفية الترجمة وجماليات اللغة العربية؟ وهل يحتاج المترجم أحياناً إلى أن يكون مؤرخاً أو دارساً للفلسفة حتى يفهم النص قبل أن يترجمه؟
<< الموقف من حرفية الترجمة وجماليات اللغة لا يقوم على معيار «إما.. أو..»، أما الحرفية أو الجماليات.. فكلاهما جزء من مفهوم وطريقة تطبيقية فى الترجمة، فأنت تجدين نفسك منحازة فى موقف ما إلى الجماليات؛ بحكم السياق المترجم، وفى موقف آخر يكون التفضيل لعبارة مشتقة من التعبير الجاهز للنص الأصلى.
< مع اتساع اهتمام الشباب بالترجمة من الصينية إلى العربية، كيف ترى مستوى الجيل الجديد من المترجمين؟ وما الذى يحتاجه المترجم الشاب اليوم كى يصبح مترجماً ناجحاً؟
<< أعتذر مقدماً عن عدم تقييم مستوى المترجمين، سواء أكانوا شباباً أم كهولاً، فمسألة التقييم، هذه، سببت لى حرجاً بالغاً وأثارت أزمات لم يكن لها لزوم مع مترجمين شباب عن الصينية، فى وقت سابق، وأعتقد أن خير ما يمكن النصح به للمترجم هو أن يكون صاحب مشروع محدد، وهنا أختلف مع أساتذة لهم قيمتهم ودورهم ومكانتهم فى الترجمة، منهم من رحل ومنهم الباقى على قيد الحياة، أطال الله فى أعمارهم، أختلف معهم فى فكرة الترجمة المتنوعة، بمعنى أن يقوم أحدهم بترجمة كل الأنواع الأدبية وشتى الموضوعات، على تباين مادتها، فالأوجب والأنسب هو التمرس فى موضوع واحد تتجانس روافده.. مترجم القصة قد يترجم كتباً فلسفية أو نقداً أدبياً لكنى لا أصدق اقتداره حين يترجم كتباً فى السياسة والاقتصاد والتنمية البشرية، والعمران، والتاريخ؛ خصوصاً أننا نعيش فى زمن التخصص العميق، منذ أن عرفنا الهيئات البحثية والأكاديميات، وتعلمنا التفرقة بين ما هو نظرى وتطبيقى فى حقول المعرفة وحدود التخصصات وما تفرضه من فهم ودراسة معمقة، والترجمة قرين الكتابة أصلاً!
هل هناك كتاب صينى ترجمته وشعرت، بعد الانتهاء منه، أنه غير شيئاً فى نظرتك إلى الصين أو إلى الأدب عموماً؟
<< نعم، فبعد قراءة كتاب «الحكمة الأخرى» وترجمته إلى العربية أشعر أنى تغيرت كثيراً عما كنت، فالنص الأصلى كان عنوانه بالصينية «تشوانغ تزو» لكنى رأيت أن ترجمته بهذا العنوان غير معبرة عن محتواه بصورة كافية، والعنوان مدخل مهم للنص، والعرب كانوا أهل تسميات، وكانوا يعتدون بالعنوان المناسب لمقام الأفكار، ومن تقاليدهم الحسنة تسمية الأشياء بما يسوغ لفظه ويسهل حفظه، وبناء على هذا سميت الكتاب بعنوان مناسب لمحتواه الفكرى القريب من نهج التصوف العربى الإسلامى، مع قدر من الاختلاف.
< كيف يمكن للقارئ العربى أن يقترب من الأدب الصينى؟ وهل ما وصل إلينا من ترجمات استطاع أن ينقل خصوصية هذا الأدب وروحه، أم ما زالت هناك مناطق واسعة من الأدب الصينى مجهولة عربياً؟
<< للأسف، ليست عندى طريقة جاهزة ومناسبة لكل القراء العرب فى الاقتراب من الأدب الصينى المترجم، لكنى أزعم أنى اقتنعت اخيراً بأحسن طريقة مناسبة لتقريب الأدب الصينى إلى العرب، وهى طريقة «التمصير» أو «التعريب» بمعنى إعادة كتابة النص بقلم إبداعى، مع تكييف عناصره للأجواء العربية، تماماً كما عهدنا مع نسبة كبيرة جداً من القصص الوافد من مناطق ثقافية أخرى فى العالم، وفى أفلامنا ومسرحياتنا ومنوعاتنا الدرامية خير دليل على هذا.
بعد سنوات طويلة من اشتغالك باللغة والثقافة الصينية، ما الصورة التى تغيرت فى ذهنك عن الصين؟ وما الشىء الذى تعتقد أن العرب لم تكتشفه بعد فى الشخصية والحضارة الصينية؟
<< لم تتغير صورتى الذهنية التى كنت رسمتها من قراءاتى عن الصين، لكنها تعمقت أو تجسدت بالرحلة والمشاهدة والمعايشة المباشرة وسط أصدقاء وزملاء كثيرين هناك، وأظن أن العرب القدماء رسموا بالرحلة صورة طيبة للصين، ويبقى الجهد موصولاً مع عرب الوقت الحاضر.
< لو طلبنا منك أن تختار كتابين فقط من ترجماتك لتكون مدخلاً للقارئ العربى إلى الصين.. أى كتب ستختار، ولماذا؟
<< أختار كتاب «محاورات كونفوشيوس» و«الحكمة الأخرى» كمدخل للاقتراب من فهم الأساس الفكرى للشخصية الصينية التقليدية، سواء فى الماضى أو الحاضر، أو حتى فى المستقبل.
فى نهاية الحوار، بدا لى أن الطريق إلى الصين لا يمر فقط عبر الخرائط والاقتصاد والسياسة، وإنما عبر الكتاب الذى يفتح نافذة على روح شعب وحضارة، وربما تظل مهمة الترجمة، كما جسدها د.محسن فرجانى، واحدة من أجمل الجسور التى تجعلنا نرى الآخر من داخله.



تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض