رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لعل وعسى

جاءت زيارة الرئيس الصينى لمصر الأسبوع الماضى لتؤكد أن قناة السويس ممرا استراتيجيا وتجاريا بالغ الأهمية لدولة الصين، حيث تمثل الشريان الرئيسى الذى يربط بضائعها وصادراتها بالأسواق الأوروبية والعالمية، ليس هذا فحسب ولكن القناة تعد حلقة وصل محورية فى مشروع الصين العالمى المعروف بـ «الحزام والطريق». كما تدعم القناة حضور الصين السياسى والاقتصادى فى منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا. وهو ما جعل مصر تنظر للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس كركيزة أساسية لدعم الاقتصاد المصرى من خلال تحويل ممر القناة من مجرد مجرى ملاحى للعبور إلى مركز إقليمى وعالمى للإنتاج والتصنيع والخدمات اللوجستية، حيث تتيح الاستفادة من الموقع الاستراتيجى للقناة وموانئها الحديثة للوصول إلى أسواق ضخمة عبر اتفاقيات التجارة الحرة، مع الربط بين الموانئ البحرية والمناطق الصناعية، مما يقلل تكلفة وسرعة إنجاز الأنشطة الإنتاجية والتجارية. فالقناة يمر فيها 20% من تجارة الحاويات الدولية، و10% من التجارة المنقولة بحرا، وبالتالى يجب أن يكون هدفنا خلال السنوات الأربع القادمة أن تكون المنطقة الإقتصادية واحدة من المراكز اللوجستية الرئيسية فى العالم، بدعم من مشروعات البنية التحتية الضخمة، وخاصة المشروعات اللوجستية، مثل مضاعفة مسارات قناة السويس لتقليل وقت المرور وتكلفة التشغيل وجذب المزيد من السفن والبضائع، وعلى أرض الواقع تعد منطقة «تيدا» الصينية نموذج اقتصادى يحتذى به، إذ ضخت الصين استثمارات تتجاوز 1,5 مليار دولار فيها، مع وجود أكثر من 200 شركة ومصنع صينى تعمل فى مجالات المنسوجات، والسيارات، والطاقة، والكيماويات، وغيرها، ولكن الأهم خلال زيارة الرئيس الصينى لمصر هو تفعيل اتفاقية مبادلة العملات بالجنية واليوان لتسهيل التجارة، وهو أمر من وجهة نظرنا يحقق أكثر من هدف، أهمهم زيادة نصيب مصر فى التبادل التجارى الذى يصل بين البلدين إلى حوالى 21 مليار دولار، نصيب مصر منها الآن أقل من مليار دولار، وبالتالى يتيح هذا الإتفاق إمكانية الوصول إلى 4 مليارات دولار، كما يتيح إتفاق مبادلة العملات إمكانية وصول مصر لصادرات بـ 100 مليار دولار، وبالتالى الابتعاد عن إشكالية أن تمثل الصادرات الصينية تهديدا للاقتصاديات المنافسة ومنها مصر، وعلى مصر أن تستلهم النموذج التنموى الصينى الذى حطم «نموذج الأوز الطائر» (flying geese model)، وهو النموذج الذى قامت معه الصين بنقل الصناعات كثيفة العمالة إليها، ومع إحتفاظها بالصناعات منخفضة ومتوسطة القيمة المضافة وفى الوقت ذاته التوسع فى القطاعات عالية القيمة، وهو ما يراه البعض بإغلاق الطريق أمام الدول الآسيوية الأخرى نحو التصنيع.وهو ما يعرف بنظرية «الإزاحة الصينية» (China squeeze)، عبر الاستئثار بالمكاسب وترك حيزًا ضئيلًا للآخرين. ولكن مع الخطة الخمسية الـ15 للصين (2026–2030 ) نجد أنها تقوم على رؤية حازمة، مرتكزة على الإلتزام بتعزيز الإنفتاح بمعايير عالية، وتحقيق مكاسب متبادلة بتعزيز بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، وهنا يجب أن نبين لشبابنا أن تجربة الصين ترتكز على استمرارية الانفتاح والتى بدأت على يد دونج شياو بنج عام 1979، أى بعد تجربة مصر بخمس سنوات كاملة، وكان من المفترض لو استمر النهج الوطنى المصرى أن نبدأ الخطة الخمسية الـ16، مقابل الـ15 للصين، لكن هذا لم يحدث للأسف لأن الصين طبقت مقولة دونج شياو بنج «لا يهم إذا كان القط أبيض أو أسود، طالما أنه يصطاد الفئران»، وهى إشارة إلى تبنيه البراغماتية (العملية) بدلًا من التمسك الأعمى بالأيديولوجيا. وإن كنا نرى بالفعل أن تصوير تطور الصين على أنه عقبة أمام جيرانها ليس صحيحًا بنسبة كبيرة، لأن الإرتقاء الصناعى فى الصين يعمل باستمرار على زيادة حجم الكعكة بأكملها. كما تدرك الدول الآسيوية هذه الحقيقة بوضوح، فبدلًا من رفض التعاون مع الصين، نجدها تنخرط بفاعلية فى اتفاقية الشراكة الإقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP). وأن تحقيق اندماجا مع الصين التى تمتلك أضخم منظومة تصنيع فى العالم يعد مسارًا مختصرًا نحو التصنيع، وليس عائقًا أمامه، وهو ما يجب أن تبنى عليه الدولة المصرية رؤيتها الإستراتيجية لما بعد مرحلة صندوق النقد الدولى، فى ظل شراكتها الشاملة مع الصين. فى ظل عصر مليء بالتشظى وعدم اليقين.. وهو ما سنتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.