ﻣﺮﺿﻰ اﻟﺘﺄﻣﻴﻦ اﻟﺼﺤﻰ »ﻛﻌﺐ داﻳﺮ«
الحاج محيى: السرطان لا يحتمل الانتظار.. ونور: نقص العلاج مشكلة مزمنة
تجديد بطاقة العلاج والحجز الإلكترونى مشكلات تواجه كبار السن وأصحاب المعاشات
لم يعد الحصول على العلاج بالنسبة لمرضى التأمين الصحى، أمرًا هينًا يبدأ بحجز موعد الكشف والتوجه للصيدلية لصرف العلاج كما كان، إنما تحول إلى سلسلة طويلة من الإجراءات، تبدأ من الحجز على الإنترنت وتحديد موعد، ثم التوجه إلى المستشفى والانتظار لساعات - رغم تحديد الموعد مسبقا- ناهيك عن مشكلة تجديد البطاقة التى تعد المهمة الأشق خاصة على كبار السن من أصحاب المعاشات، مرورًا بالنوافذ المختلفة وطوابير الانتظار، وصولًا للصيدلية والبحث عن الدواء الذى عادة ما يكون غير متوافر.
فما أن تطأ قدم المريض أى مستشفى للتأمين الصحى بحثًا عن الرعاية وتخفيف الألم، يجد نفسه أمام معاناة أخرى، مشاوير متكررة أوراق وإجراءات وبحث عن ماكينات تصوير، وانتظار لساعات طويلة، ومواعيد حجز إلكترونية لا تتطابق مع مواعيد الكشف الفعلية فى بعض الحالات، ما يضاعف العبء على كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
وبما أن بيانات الهيئة العامة للرعاية الصحية تؤكد أن منظومة التأمين الصحى تضم حوالى 6.7 مليون مواطن فإن هذا العدد يحتاج إلى إجراءات مبسطة وسريعة لضمان وصول الخدمة الطبية لهم، خاصة أن أغلبهم من اصحاب المعاشات ومحدودى الدخل الذين لا يقدرون على تكلفة العلاج الخاص.
وفى أروقة مستشفيات التأمين الصحى تتشابه حكايات المرضى، فهناك مريض يريد استكمال العلاج وآخر يبحث عن دواء لا يجده، وثالت يعانى من إجراءات ومشاوير تجديد البطاقة، بينما يتسأل آخرون: لماذا يحتاج الحصول على الخدمة الطبية كل هذا الوقت والجهد.
شكاوى بالجملة
رصدت «الوفد» معاناة بعض المرضى فى جولتها بمستشفيات التأمين الصحى واستمعنا لشكاوى عشرات المرضى، فوجدنا أن مشكلة الانتظار التى يعانى منها الجميع تصبح أكثر قسوة عندما يكون المريض مصابًا بمرض خطير يحتاج إلى علاج مستمر، ومن بين الحالات التى تكشف حجم المعاناة، قصة الحاج محيى الدين، الذى بدأت معاناته مع السرطان منذ نحو عامين.
ويقول إن الأعراض بدأت بصورة بسيطة فى البداية، تمثلت فى تنميل بالذراع وألم فى الرقبة، فتوجه إلى الطبيب الذى طلب إجراء أشعة. لكن نتائج الفحوصات كشفت عن إصابته بورم سرطانى فى العمود الفقري، والأكثر تعقيدًا أن هذا النوع من الأورام غالبًا ما يكون ثانويًا، أى مرتبطًا بوجود ورم أساسى فى مكان آخر بالجسم.
وأوضح أن التقارير الطبية كشفت عن تآكل إحدى فقرات العمود الفقرى بنسبة تجاوزت الثلثين، وهو ما استدعى تدخلًا جراحيًا عاجلًا لتثبيت الفقرة بدعامة.
ويقول إن التأخير لم يكن خيارًا بالنسبة إليه، نظرًا لخطورة حالته، إذ إن استمرار الوضع يمكن أن يؤدى إلى مضاعفات خطيرة تصل إلى سقوط الرأس وضغطها على الحبل الشوكي، بما قد يؤدى إلى شلل رباعى دائم.
وبسبب ما وصفه ببطء الإجراءات، اضطر إلى إجراء العملية خارج التأمين الصحى بتكاليف عالية، ما أدى لتراكم الديون عليه، لكن رحلة العلاج لم تتوقف عند هذا الحد، فبعد إجراء العملية والفحوصات الإضافية، تبين أن الورم الأساسى موجود فى الكلية، وبعد شهر واحد فقط من عملية تثبيت الفقرة، خضع لجراحة أخرى لاستئصال الكلية وإزالة ورم من البروستاتا.
وبعد هذه الجراحات، قرر طبيب الأورام المعالج منحه علاجًا على هيئة أقراص تُصرف من التأمين الصحي، خاصة أنه لا يمكنه الخضوع للعلاج الكيماوى نظرًا لطبيعة الورم.
وأضاف: «الحصول على العلاج أصبح تحديًا متكررًا. فالجرعة التى أحصل عليها من مستشفى الهرم تكفى لأسبوعين فقط أضطر بعدها للعودة مرة أخرى إلى التأمين الصحى للحصول على الجرعة التالية، مستطردا: «يوم كامل بيضيع فى الإجراءات والانتظار كل أسبوعين لماذا كل هذا العناء لمريض سرطان مثلى».
جدد البطاقة الأول
أما الحاج محمد عبدالحميد، البالغ من العمر 76 عامًا، التقينا به خارجا من مستشفى الهرم فى حالة غضب شديدة فلم تكن معاناته مرتبطة فقط بآلام الأسنان، وإنما امتدت إلى الإجراءات التى واجهها عندما توجه إلى التأمين الصحى لاستكمال علاجه. وحكى معاناته قائلا: إنه كان يعانى آلامًا شديدة فى أسنانه، وبعد الكشف عليه لدى طبيب خاص أخبره بأن حالته تستدعى خلع الأسنان وتركيب طقم، بسبب مشكلات فى اللثة.
وبالفعل اضطر إلى خلع أحد الضروس خارج التأمين الصحى مقابل 500 جنيه، إضافة إلى 150 جنيهًا للكشف، دفعتهم نجلته، لكنه لم يستطع تحمل النفقات الباقية للخلع فضلًا عن تركيب الطقم بعد ذلك خاصة أن نجلته أيضا ظروفها صعبة ولا يمكنهما تحمل تلك التكلفة، فتوجه إلى التأمين الصحى باعتباره الجهة التى يمكنه الاعتماد عليها فى استكمال علاجه.
لكن عند وصوله فوجئ بإبلاغه بضرورة تجديد البطاقة أولًا لأنه على المعاش وأنه لن يستطيع الكشف قبل إتمام إجراءات التجديد. ومن هنا بدأت رحلة جديدة من المشاوير والانتظارـ فعندما سأل عن إجراءات التجديد طُلب منه استخراج برنت تأمينات، وصورة شخصية حديثة وأوراق أخرى لا يتذكرها قائلا «مش فاكر طلبوا إيه تانى» بسبب تعقيدات برنت التأمينات حيث توجه إلى مكتب التأمينات بحى العمرانية محل سكنه، ليجد نفسه أمام إجابة أخرى تزيد من حيرته قائلا: «روحت التأمينات قالوا لى مش هنا، من المحكمة. محكمة إيه؟ أنا مش فاهم حاجة، حتى الموظف ما كانش هاين عليه يفهمنى».
وبعد السؤال والاستفسار، اكتشف أنه كان موظفًا حكوميًا، وأن استخراج برنت التأمينات الخاص به يتم من التأمينات الموجودة فى وسط البلد، مع طلب بعض المستندات والصور.
تروى نور، إحدى المترددات على مستشفى التأمين الصحى بالمطرية، معاناتها فى الحصول على الأدوية التى تحتاجها والدتها وجدتها، موضحة أن صعوبة حركة السيدتين تجعلها هى المسئولة عن حمل البطاقات والذهاب إلى المستشفى لصرف العلاج.
وتقول نور إن إجراءات صرف العلاج تمثل عبئًا كبيرًا عليها، خاصة مع ساعات الانتظار، موضحة أن الإجراءات تتعب السليم، فما بالك بالمريض، وتضيف أن الوضع كان فى السابق أكثر انتظامًا، حيث كانت تحصل على العلاج كاملًا، إلا أنها خلال الشهرين الماضيين فوجئت بعدم توافر بعض الأدوية التى اعتادت والدتها الحصول عليها، خاصة دواء الأعصاب. مضيفة: صرفوا شريط برشام وقالوا لى ده للأعصاب برضه، لكن حالة والدتى لم تتحسن عليه، على الإطلاق.
وتشير إلى أنها تمكنت من الحصول على أدوية الضغط والسكر والدهون الثلاثية، لكنها لم تجد علاج الغدة أيضا مؤكدة أن غياب بعض الأدوية مشكلة كبيرة تواجه المرضى خاصة كبار السن الذين لا يستطيعون التنقل بين المستشفيات للحصول على العلاج.
وأضافت «بالنسبة لأسرة تتعامل مع أكثر من مريض مسن، فإن الانتقال بين مستشفى وآخر بحثًا عن الدواء يمثل عبئًا إضافيًا، خصوصًا عندما يكون المريض غير قادر على الحركة ويضطر أحد أفراد الأسرة إلى تولى المهمة نيابة عنه».
حجز إلكتروني.. وطابور أمام شباك التذاكر
ولا تقتصر شكاوى المرضى على صرف الأدوية أو تجديد البطاقات، وإنما تمتد إلى آليات حجز الكشف نفسها. إذ قالت ليلى موظفة توجهت إلى مستشفى 6 أكتوبر للكشف فى تخصص المخ والأعصاب، إنها فى المرة الأولى فوجئت بعد وصولها بوجود طابور طويل أمام شباك التذاكر، ثم أُبلغت بضرورة الحجز عبر الإنترنت.
وبالفعل، قامت بالحجز إلكترونيًا، وحُدد لها موعد بعد أسبوع، وكان الموعد المسجل يوم الخميس من الساعة 11 صباحًا حتى 12 ظهرًا.
وأضافت إنها ذهبت فى الموعد المحدد، لكنها فوجئت مرة أخرى بوجود طابور طويل أمام شباك التذاكر للتسجيل، وتتساءل: إذا كان الحجز تم عن طريق الإنترنت، وتم تحديد موعد لي، فلماذا أقف مرة أخرى فى طابور أمام شباك التذاكر؟ وأضافت إنها، بعد وصولها إلى الشباك وانتهاء الطابور، سلمت ورقة الحجز والبطاقة وجواب جهة العمل، ودفعت ٥ جنيهات، وحصلت على طابع تأمين صحى
وتساءلت: «أنا بحجز على الإنترنت من مكتبة بجوار المستشفى، دفعت 10 جنيهات وأخذت ورقة بموعد الحجز كان ممكن أدفع الـ5 جنيهات كمان، وآخذ طابع البريد بالمرة، بدل ما أقف فى طابور شباك التذاكر».
ثم توجهت إلى العيادة، لتفاجأ بأن طبيب المخ والأعصاب كان موجودًا منذ الساعة الثامنة والنصف صباحًا، وأنه انصرف بعد انتهاء الكشف، أخبرت الموظفة بأن الموعد المسجل فى الحجز الإلكترونى هو من الساعة 11 إلى 12، وأن الساعة كانت لا تزال العاشرة والنصف، فجاءها الرد بأن موعد الإنترنت غير صحيح، وأن من يريد الكشف عليه الحضور منذ الساعة الثامنة صباحًا.
وتتكرر شكاوى كبار السن من أصحاب المعاشات من إجراءات تجديد البطاقات الصحية، خاصة مع تعدد المشاوير والجهات المطلوبة، وطول فترة الانتظار أمام النوافذ المختلفة، ويقول أحد أصحاب المعاشات، وهو مصاب بالسرطان، إن إجراءات تجديد البطاقة تحولت إلى رحلة مرهقة بالنسبة له، خصوصًا مع حالته الصحية موضحا: «طلعوا عينى عشان لازم أجدد البطاقة» إجراءات وطوابير، وأنا مريض سرطان.
ولا تتوقف شكاوى المرضى عند الإجراءات فقط، إذ تتكرر أيضًا شكاوى من أسلوب تعامل بعض الأطباء والعاملين داخل المستشفيات، وفق روايات المرضى الذين تحدثوا عن تجاربهم.
وفى الوقت الذى يمثل فيه التأمين الصحى بالنسبة لملايين المرضى بابًا أساسيًا للحصول على الرعاية والعلاج، تظل سهولة الوصول إلى الخدمة جزءًا لا يقل أهمية عن توفيرها نفسها.
فالمريض الذى يعانى من مرض مزمن يحتاج إلى دوائه فى موعده، والمريض المصاب بمرض خطير لا يحتمل انتظارًا طويلًا، وكبار السن لا يملكون دائمًا القدرة البدنية على الانتقال بين الجهات واستخراج الأوراق والوقوف فى الطوابير، وبين طابور أمام شباك التذاكر، وآخر لتجديد البطاقة، ومشوار لاستخراج مستند، ورحلة بحث عن دواء غير متوافر، يجد بعض المرضى أنفسهم فى مواجهة معاناة إضافية فوق معاناتهم الأصلية.
ويبقى السؤال هل يمكن تبسيط الإجراءات داخل منظومة التأمين الصحي، وربط الجهات المختلفة إلكترونيًا لتقليل المشاوير والانتظار، مع ضمان توافر الأدوية الأساسية للمرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة والحالات الحرجة.


تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض