رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم يعد الطعام في حياة كثير من الناس مجرد وسيلة للبقاء، بل أصبح عند البعض مصدرا ً دائما ً للقلق .. هذا يرفع الكوليسترول، وذاك يزيد الوزن، وهذا يسبب الالتهابات، وتلك الأطعمة يجب الامتناع عنها تماما ً، ثم تأتي نصائح أخرى تطالب بالصيام أربع عشرة أو ست عشرة ساعة يوميا ً، حتى أصبح الإنسان أحيانا ً يقف أمام مائدته مترددا ً: 
ماذا يأكل؟ وماذا يترك؟ وهل يستمتع بما أحل الله له، أم يخشى أن يكون وراء كل لقمة خطر ينتظره؟

ولا أعترض هنا على العلم، بل على العكس تماما ً ؛ فالعلم هو الذي يجب أن نحتكم إليه .. لكن المشكلة تبدأ حين تختلط الدراسات العلمية بنصائح مواقع التواصل، وتجارب الأفراد بآراء المتخصصين، والحقائق المؤكدة بنتائج أبحاث ما زالت محل نقاش، والأخطر أن تتحول بعض الاتجاهات الغذائية إلى ما يشبه اليقين الذي لا يقبل المناقشة، فيمتنع الناس عن أصناف كاملة من الطعام دون أن يعرفوا هل هذا الامتناع ضروري لهم أصلا ً أم لا.
والأمر لم يعد مجرد حديث متداول؛ فقد أصبح قطاع واسع من الناس يتبع أنظمة غذائية شديدة التقييد، يمتنع أصحابها تماما ً عن البيض أو الدجاج أو اللحوم أو الألبان أو غيرها، بينما يتجه آخرون إلى الصيام المتقطع لساعات طويلة، لا باعتباره اختيارا ً شخصيا ً فحسب، وإنما باعتباره في بعض الأحيان الطريق شبه الوحيد للصحة وطول العمر والوقاية من الأمراض.

وهنا يبرز سؤال مهم: أين تقف المؤسسات الصحية الرسمية من كل ذلك؟
فالناس ليسوا مطالبين بقراءة عشرات الأبحاث الطبية المتعارضة، ولا يملكون جميعا ً القدرة على التمييز بين دراسة علمية رصينة ومعلومة مبتورة أو رأي شخصي جرى تداوله آلاف المرات حتى اكتسب مظهر الحقيقة .. وحين يتعلق الأمر بالصحة العامة، تصبح مسؤولية المؤسسات الرسمية أكبر من مجرد ترك المواطن يبحث بنفسه عن الإجابة.

ولعلنا نحتاج أيضا ً إلى إعادة النظر في مفهوم الصحة ذاته. فالصحة ليست مجرد أرقام مثالية في التحاليل، كما أن الحياة ليست مسابقة للوصول إلى أطول عمر ممكن بأي ثمن. هناك فارق بين الاعتدال والحرمان، وبين الوقاية والخوف، وبين أن يحافظ الإنسان على جسده وأن يقضي حياته كلها خائفا ً عليه .. وقد قال الله تعالى: 
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» .. وهي إشارة تستحق التأمل؛ فالطيبات جُعلت للإنسان، والاستمتاع بها لا يتعارض مع الحكمة ما دام في إطار الاعتدال وعدم الإسراف.
ولا يعني ذلك أن نرفض ما يثبته العلم من أضرار، أو أن نتجاهل اختلاف الحالة الصحية من إنسان إلى آخر، فهناك مريض يحتاج إلى نظام غذائي خاص، وآخر قد يضره ما لا يضر غيره، وثالث يستفيد من الصيام المتقطع بينما قد لا يناسب شخصا ً آخر. لكن هذا تحديدا ً هو سبب حاجتنا إلى مرجعية علمية واضحة، لا إلى أحكام عامة تُطبَّق على الجميع.

ومن هنا فإنني أدعو وزارة الصحة والجهات العلمية والطبية المختصة إلى أن تعرض على المواطنين بصورة واضحة ما ثبت علميا ً وما لم يثبت، وما قد يمثل خطرا ً على الصحة، وأن تصدر إرشادات رسمية بشأن الاتجاهات الغذائية المنتشرة حاليا ً، ومنها الصيام المتقطع والامتناع الكامل عن بعض أنواع الطعام، مع دعوة وسائل الإعلام إلى القيام بحملة توعية تستند إلى هذه الإرشادات، بعيدا ً عن التأييد المطلق أو الرفض المطلق.
فحين يتعلق الأمر بصحة الناس، لا يكفي أن نقول لهم ما الذي نرفضه أو ما الذي نؤيده؛ بل يجب أن نقول لهم، بالدليل، ما الذي نعرفه.