رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

غزة.. حين يصبح المطلب الأخير «بقايا جثمان»

بوابة الوفد الإلكترونية

الفلسطينيون يودعون 100 من أشلاء أكبادهم بينهم 70 طفلاً

مركز حقوقى يندد بنقل الركام..ويحذر من الإعدام المعنوى لآلاف المفقودين

نكاد نسمع صرخات الأجساد الممزقة والاطراف المبتورة والأشلاء التى علقت بين أسياخ الحديد والخرسانة لتشهد على اللحظات الأخيرة لضحايا الإجرام الصهيونى الذى لا وصف له.

هنا غزة.. أجساد ممزقة وهياكل بلا ملامح حين يصبح المطلب الأخير «بقايا جثمان».

ومن تحت وطأة الركام الذى تحول إلى مقابر اسمنتية طوال ثلاثة أعوام تنكشف فصول جديدة من المأساة التى عاشها قطاع غزة لتروى كل قطعة حديد رفعت وكل كتلة اسمنت نبشت حجم الفجيعة واتساع الكارثة بمرارة حجم قسوة الظروف التى مرت بها أجساد الشهداء.

وفى مشهد يفطر القلوب تحولت جثامين أخرى بفعل طول المدة إلى رفات وهياكل يصعب التعامل معها أو التعرف على ملامح أصحابها لتكشف بوضوح عن إبادة عائلات بأكملها شطبت من السجل المدنى ولم يتبق لمن نجا من ذويها سوى رحلة بحث مريرة ومضنية بين الأنقاض فقط للفوز ببقايا من أحبائهم لمواراتها الثرى وإكرامها بدفن يليق بتضحياتهم.

لم تكن عملية انتشال الرفات مجرد إجراء فنى بل كانت مواجهة مباشرة مع فظاعة الإبادة الجماعية الصهيوينة وجريمة العصر ضد الشعب الفلسطينى صاحب الارض.

وفى مشهد إنسانى يختزل أهوال حرب الإبادة وتبعاتها الممتدة شيع الفلسطينيون فى وقت سابق 100 شهيد فى حى الزيتون شرق مدينة غزة بعد أن ظلت جثامينهم محتجزة تحت ركام منازلهم المدمرة لنحو ثلاثة أعوام.

وتوافد المئات منذ ساعات الصباح الأولى لوداع أحبائهم فى أجواء حزن وقهر ثقيلة وسط تقارير محلية ميدانية تشير إلى أن نسبة الأطفال تبلغ 70% من مجموع من تم انتشال رفاتهم.

وجاءت المراسم بعد جهود مضنية وعمليات بحث بالغة التعقيد قادتها طواقم الدفاع المدنى الفلسطينى وسط شح هائل فى الآليات والمعدات الثقيلة، الأمر الذى حال دون الوصول إلى الضحايا طوال المدة الماضية ليتحول ركام المنازل مع مرور الوقت إلى مقابر مفتوحة تنتظر من ينتشلها.

وأظهرت مقاطع الفيديو والصور المتداولة مشاهد مؤثرة أثناء التحضير مساء أمس السبت لمراسم التشييع، إذ احتشد الناجون من عائلات الشهداء أمام رفات وأكفان أحبائهم التى لفت بأعلام فلسطين، مترقبين لحظة دفنهم التى تأجلت لشهور طويلة.

وقال» محمد المغير» مسئول الشئون الإنسانية فى المديرية العامة للدفاع المدنى فى القطاع ان مأساة المفقودين تحت الأنقاض لا تزال مفتوحة، مشيرا إلى أن التقديرات تتحدث عن وجود نحو 8 آلاف جثمان عالق تحت الركام فى مختلف مناطق القطاع.

وأوضح المغير أن الطواقم تمكنت خلال الفترة الماضية وبعد أكثر من 381 ساعة من العمل الميدانى، من انتشال 233 جثمانا ورفاتا من أصل 407 مفقودين تحت أنقاض 20 منزلًا فقط فى محافظة غزة، كان من بينهم 73 طفلًا و106 نساء.

وأشار إلى أن ما يجرى فى حى الزيتون يمثل نموذجا صارخا للكارثة إذ تم انتشال جثامين ورفات أكثر من 100 شهيد، بينهم نحو 70 طفلا، من ضمنهم 55 شهيدًا من عائلة «ملكة» وحدها، كانوا قد لجأوا إلى منزل هربا من القصف قبل أن يدمَر فوق من بداخله.

وأكد المغير أن استمرار عمليات الانتشال يصطدم بعقبات كبرى تتمثل فى نقص الآليات الثقيلة وتعقيد الركام، مشددًا أن ما ينتشل كل يوم ليس مجرد رفات، بل شهادات حية على حجم الإبادة الجماعية التى تعرض لها قطاع غزة، وأن فصول المأساة لن تغلق إلا بتمكين العائلات من وداع موتاهم ودفنهم بما يليق بكرامتهم.

أعرب المركز الفلسطينى للمفقودين والمخفيين قسرًا عن بالغ قلقه وإدانته الشديدة لـ العمليات الممنهجة التى تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلى عبر تفتيت ونقل ركام الأحياء المدمرة فى قطاع غزة.

وحذر المركز الحقوقى فى بيان له من أن هذه الخطوة تمثل حكما بـ «الإعدام المعنوي» على آلاف المفقودين تحت الأنقاض، وطمسا متعمدا للأدلة الجنائية اللازمة لكشف مصيرهم.

واشار المركز، استنادا إلى معطيات ميدانية وتقارير حقوقية نشرها المرصد الأورومتوسطى لحقوق الإنسان ونشرتها « الوفد» قبل اسابيع، إلى أن الاحتلال بدأ بنقل مئات الأطنان من الركام يوميا.

وقال إن هذه العمليات لا تجرى كجزء من جهود إنسانية للبحث عن الضحايا، بل تتم بشكل أحادى وعشوائى داخل مناطق عسكرية مغلقة.

واشار إلى أن هذا الإجراء العنيف يؤدى إلى سحق ما تبقى من جثامين الضحايا ورفاتهم، وخلط الأشلاء بالركام والنفايات، مما يستحيل معه مستقبلًا إجراء أى فحوصات للحمض النووى (DNA) أو التعرف على هويات المفقودين.

ويقدر «المركز الفلسطيني» عدد المفقودين الإجمالى بحوالى 7000 مفقود بينهم نحو 4000 إلى 5000 شخص ما زالوا محتجزين تحت الأنقاض دون التمكن من انتشالهم.

وأكد أن المواقع المدمرة لا يمكن التعامل معها كمجرد مخلفات بناء كما تسوق حكومة الاحتلال فى تضليل خطير.

وقال : «بل هى فى الواقع مقابر مؤقتة ومسارح جريمة تضم تحتها آلاف المفقودين، وهى شواهد حية على جرائم الإبادة الجماعية وتتطلب الحفظ والتوثيق وليس التدمير والتجريف».

واستطرد قائلا: «إتلاف هذه الرفات يعد انتهاكا صارخا لـاتفاقيات جنيف لعام 1949، خاصة الاتفاقية الرابعة، والبروتوكول الإضافى الأول (المادة 34)، والتى تفرض على القوة القائمة بالاحتلال التزامًا قانونيًا حازمًا باحترام رفات الموتى وتسهيل البحث عنهم، والتعرف على هوياتهم، وتيسير وصول عائلاتهم إليهم لدفنهم بكرامة».

وتقدر كمية الركام والأنقاض المتراكمة فى قطاع غزة حتى النصف الأول من عام 2026 بنحو 60 مليون طن (وتشير تقديرات أممية أخرى إلى 68 مليون طن)، وذلك إثر تعرض أكثر من 80% من المبانى والبنية التحتية للدمار الشامل أو الجزئى.