رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لا أحد ينكر أن وجه مصر قد تغير، ولا أحد يستطيع تجاهل حجم المشروعات العمومية والبنية الأساسية وشبكات الطرق والمدن الجديدة التي أُنجزت خلال السنوات الماضية. غير أن الأزمة الحقيقية تكمن في أن المواطن لا يعيش داخل «صورة افتتاح»، ولا يسدد فواتيره الشهرية بكوبري جديد، ولا يستطيع تزويج نجله بالمونوريل او البرج الايقوني .

 

المواطن يعيش في التفاصيل اليومية للبيت.

 

وهناك، بعيدًا عن أضواء الشاشات ولغة الأرقام الرسمية، تدور حياة أخرى لها حسابات معقدة: دخل يتآكل، وأسعار تحلق، وفواتير كهرباء وبنزين، وأقساط مدارس، وخدمات صحية، وديون متراكمة، وشباب يبحثون عن نافذة أمل، وأسر تحاول المستحيل للبقاء متماسكة وسط طاحونة ضغوط لا تتوقف.

 

لهذا، عندما أعلنت الحكومة استعدادها لتقديم كشف حساب شامل في أكتوبر المقبل عما أنجزته، والرد على شواغل الرأي العام، كان ذلك مرحباً به. والأهم هو ما صاحبه من إقرار بأن الخبرات المتراكمة ربما كانت ستدفع نحو مقاربة بعض المشروعات بطريقة مغايرة لو عاد بنا الزمن إلى الوراء.

 

لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه أمام رئيس الوزراء: هل هذه المصارحة هي بداية لمراجعة جذرية وحقيقية للمسار، أم مجرد تقييم شكلي لبعض التفاصيل؟



 

ماذا كلفنا الإنجاز؟

المواطن اليوم لا يسأل فقط: ماذا أنجزتم؟

بل يسأل بقلق أكبر: وماذا كلفنا هذا الإنجاز؟ وكم سندفع من أثمان في السنوات القادمة؟ وهل القادم أصعب؟

 

لا نستبق الأحداث ولا نجزم بأن القادم أسوأ، فهذا استنتاج لا سند له من تصريح واحد. لكن حين تتحدث الحكومة بنفسها عن أعباء الديون، وتكلفة الطاقة الباهظة، وضغوط الموازنة العامة، وتؤكد أنها «تتحمل جزءاً كبيراً من الأعباء كي لا تنقلها كاملة للمواطن»، يصبح من الطبيعي والمشروع أن يتساءل الشارع عن الحجم الحقيقي للفاتورة المنتظرة.

 

ويبرز ملف الديون كأكثر الملفات حساسية. فعندما يطرح النقاش العام أفكاراً مثل مقايضة بعض أصول الدولة بالمديونيات وصولاً إلى حدود تلامس خطوطاً سيادية كـ «قناة السويس»، يقف المصريون طويلاً أمام المشهد.

 

صحيح أن رئيس الوزراء حسم الجانب الرسمي مؤكداً أن القناة أصل سيادي لا يمكن المساس به، وهو موقف لا خلاف عليه، لكن السؤال الأعمق هو: كيف وصل النقاش أصلاً إلى طرح فكرة بهذه الحساسية؟

 

إن مجرد تداول مثل هذه الأفكار داخل دوائر الاستشارة الاقتصادية يعكس حجم الاختناق المالي وضغوط الالتزامات الخارجية التي تضيق معها مساحة الخيارات أمام الدولة. وهنا يبرز السؤال الأصعب: هل جزء من هذه الديون هو الفاتورة الباهظة لتلك المشروعات العظيمة؟

 

إذا كانت الإجابة بنعم، فالمواطن بحاجة إلى معادلة واضحة وشفافة:



 

  • كم أنفقنا بالأرقام؟

 

  • كم اقترضنا؟

 

  • وكم أصبحنا مطالبين بسداده؟

 

  • وأين العائد الاقتصادي الحقيقي ومتى يشعر به المواطن في جيبه وفرص عمل أبنائه؟

 

الاقتصاد والمجتمع في ميزان واحد

لا يمكن بحال من الأحوال فصل لغة الاقتصاد عن الواقع الاجتماعي. فالغلاء وارتفاع التكاليف أحدثا زلزالاً صامتاً داخل الأسرة المصرية؛ توقف آلاف الشباب عن الزواج لعجزهم عن الوفاء بأبسط المتطلبات، وارتفعت معدلات التفكك الأسري والطلاق تحت وطأة «المعركة الشهرية» لتأمين لقمة العيش.

 

وعندما ننتقل إلى قطاعين حيويين كالصحّة والتعليم، لا نحتاج إلى تقارير معقدة؛ يكفي زيارة مستشفى حكومي أو الاستماع لأم تحاول تدبير مصاريف أبنائها لندرك أن المواطن لا يطلب رفاهية، بل يطالب بحد أدنى من الخدمات التي تحفظ كرامته الإنسانية.

 

وفي المشهد العام، تلفت الانتباه تلك الكثافة الهائلة للمقاهي التي انتشرت في كل شارع الحي والمدينة. العلة ليست في المشروع ولا في رواده من الشباب، بل في «الفراغ» وغياب أفق العمل والفرص العادلة التي تحول المقهى إلى ملجأ إجباري. لا تحاربوا القهوة.. بل حاربوا الفراغ الذي امتلأت به.



 

مؤتمر أكتوبر.. كشف حساب للمسار كله

يا دولة رئيس الوزراء..

المواطن المصري يرى بوضوح الإنجازات العمرانية؛ يرى العاصمة، والطرق، والمدن الجديدة، والكباري. لكنه يرى في الوقت ذاته فاتورة الكهرباء، وأسعار السلع، ومستقبل ابنه الضائع، وعذابات أسرته مع الغد الخائف.

 

ولهذا فإن مؤتمر أكتوبر المنتظر ينبغي ألا تتحول جلساته إلى مجرد معرض للصور والأرقام. نحن لسنا بحاجة إلى استعراض إنجازات فحسب، بل إلى كشف حساب للمسار ككل:



 

  1. ماذا أخطأنا وماذا كلفتنا تلك الأخطاء؟

 

  1. ماذا تعلمنا من تجربة السنوات السابقة؟

 

  1. هل ستتعدل الأولويات إذا أثبت الواقع أن بعض الاختيارات لم تكن صائبة؟

 

المواطن لا يهرب من الحقيقة مهما كانت قاسية، لكنه لم يعد يحتمل الفجوة الهائلة بين ما يُقال وما يعيشه واقعاً على الأرض. إنه يريد أن يرى نفسه داخل هذا الوطن، لا واقفاً على هامش ثماره، يدفع وحده فاتورتها المكلفة.

 

إن الدولة القوية ليست تلك التي تبني أكثر فحسب، بل هي التي تعرف بدقة متناهية: متى تبني، وماذا تبني، وبأي تكلفة، ومن يتحملها، ومتى يجني المواطن ثمارها.

 

السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح على مائدة أكتوبر ليس فقط: ماذا فعلتم؟

بل: ماذا فعلتم بالمستقبل؟ وهل صنعتم دولة قادرة على إدارة أزماتها، أم مشروعات عظيمة خلفت وراءها فاتورة تثقل كاهل الأجيال؟

 

نحن لا نريد إجابة مطمئنة، بل نريد إجابة صادقة. لأن المواطن المصري يستطيع أن يتحمل الحقيقة مهما كانت، لكنه لم يعد يحتمل أن يسمع شيئاً ويعيش شيئاً آخر.

 

نحن نرى الإنجازات يا دولة رئيس الوزراء.. لكننا نريد أن نرى المواطن داخلها، لا واقفاً على هامشها يدفع ثمنها، لكي لا نتحول جميعاً إلى ضحايا الإنجازات.