السياسة، سواء كانت بين الدول أو داخلها، لا تُدار بالعواطف وحدها، ولا تقوم على الصداقة والخصومة بالمفهوم الشخصي، وإنما تتحرك داخل شبكة متداخلة من الحقوق والالتزامات والضمانات والمكافآت والعقوبات. لكن هذه العناصر، على أهميتها، لا تكفي وحدها لفهم السياسة كما تُمارس في الواقع؛ فهناك عنصر آخر قد يكون أكثر دقة وتأثيرا ً، وهو المواءمات.
فالدولة قد تعرف حقوقها، وتدرك التزاماتها، وتمتلك وسائل الضغط أو المكافأة، لكنها تظل مطالبة بأن تعرف متى تستخدم كل أداة، وبأي قدر، ومع أي طرف، وما الذي يمكن أن تكسبه في مقابل ما قد تخسره .. وهنا تبدأ السياسة بمعناها الحقيقي:
إدارة المصالح، لا مجرد إعلان المواقف.
فالحقوق تحدد ما للدولة، والالتزامات تحدد ما عليها، والضمانات تحمي الاتفاقات والمصالح، والمكافآت تشجع السلوك الذي يخدمها، والعقوبات ترفع تكلفة السلوك الذي يضر بها.
أما المواءمات فهي التي تسمح للدولة بأن تتحرك بين كل ذلك دون أن تحبس نفسها داخل علاقة واحدة أو محور واحد.
ومن هنا، ليس من الضروري أن يعني تقارب مصر مع الصين خصما ً من رصيد علاقتها بالولايات المتحدة، كما أن تطوير علاقتها بروسيا لا يعني بالضرورة موقفا ً معاديا ً لأوروبا. وبالمثل، فإن وجود علاقات استراتيجية مع واشنطن لا ينبغي أن يمنع القاهرة من توسيع مصالحها مع بكين أو موسكو أو غيرهما، طالما أن كل علاقة تُدار وفق المصالح المصرية، ولا تتحول إلى تبعية لطرف على حساب طرف آخر.
وهذه ليست ازدواجية في المواقف، وإنما قد تكون أحد أشكال النضج السياسي. فالدولة التي تربط مصالحها بقوة واحدة تجعل مساحة حركتها أضيق، بينما الدولة التي تنوع علاقاتها تستطيع أن توسع بدائلها، وتحسن قدرتها على التفاوض، وتقلل من احتمالات تعرضها للضغط حين تتعارض مصالحها مع أحد شركائها.
لكن المواءمة لا تعني الوقوف على مسافة واحدة من الجميع في كل القضايا، ولا تعني محاولة إرضاء الجميع؛ فذلك قد يتحول من المرونة إلى الارتباك. المواءمة الحقيقية هي أن تعرف الدولة أين تتفق مع كل طرف وأين تختلف معه، وما الذي يمكن أن تتعاون فيه، وما الذي لا تستطيع التنازل عنه.
وقد تكون المشكلة أحيانا ً في أن بعض الدول الكبرى تنظر إلى علاقاتها بالدول الأخرى بمنطق: إما معنا أو ضدنا .. بينما مصلحة الدول التي تسعى إلى استقلال قرارها تقتضي رفض هذا المنطق، ليس بالصدام، وإنما بإدارة ذكية للعلاقات؛ تعاون هنا، واختلاف هناك، واتفاق في ملف، وتباين في ملف آخر.
والنجاح في السياسة لا يُقاس بعدد الأصدقاء أو الخصوم، وإنما بقدرة الدولة على حماية مصالحها وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب بأقل قدر ممكن من الخسائر، دون أن تجعل مكسبها مع طرف ثمنه خسارتها لطرف آخر إلا إذا فرضت مصالحها ذلك الاختيار.
فالسياسة في النهاية ليست حقوقا ً والتزامات وضمانات ومكافآت وعقوبات فقط؛ إنها أيضا ً فن المواءمة بينها جميعا ً. وربما تكون الدولة الأكثر نجاحا ً ليست التي تختار بين الشرق والغرب، وإنما التي تعرف ماذا تريد من الشرق، وماذا تريد من الغرب، وماذا تريد لنفسها قبل الاثنين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض