كليات طب خاصة بدون مستشفيات.. أزمة حقيقية تواجه القطاع الطبي
يواجه التعليم حالياً أزمة كبيرة ستؤثر على مستقبل مهنة الطب وصحة المصريين خلال سنوات معدودة، وهى عدم وجود مستشفيات جامعية فى أكثر من 20 كلية طب خاصة وأهلية تم إنشاءها خلال السنوات الأخيرة.
هذه الأزمة ليست مجرد أزمة تعليمية ولكنها ستتحول إلى أزمة مجتمعية وكارثة صحية، تهدد مهنة الطب بشكل جدى وحقيقى، وستؤثر على جودة الخدمة الطبية المقدمة للمواطن المصرى، لأنها ستؤدى إلى تخريج طبيب غير كفء ولا يقدر على التعامل مع المرضى، لأن دراسته العلمية لم تتعدَّ حدود الدراسة النظرية وبعض التدريب العملى البسيط، ومن المفترض ألا يقل عن عامين أو ثلاثة من الدراسة الجامعية.
ووفقا لوزارة التعليم العالى، بلغ عدد كليات الطب فى مصر 59 كلية حتى نهاية 2025، فيما يصل عدد المستشفيات الجامعية إلى 146 مستشفى.
يأتى ذلك فى الوقت الذى كشف فيه الدكتور أسامة عبدالحى، نقيب الأطباء، أن هناك نحو 23 كلية من بينها 3 أو 4 فقط تمتلك مستشفيات جامعية، وأن بعض كليات الطب حصلت على مهلة مدتها ثلاث سنوات لإنشاء مستشفى جامعى، إلا أنها استمرت فى قبول دفعات جديدة من الطلاب رغم انتهاء المهلة، دون تنفيذ الالتزامات القانونية المقررة.

هذا المشهد يشير بكل وضوح إلى أننا أمام أزمة حقيقية تواجه القطاع الطبى فى مصر، لن تؤثر فقط على مهنة الطب، وإنما سيكون لها تداعيات أكبر على تقديم الخدمة الطبية للمواطن المصرى، الذى سيتعامل مع هؤلاء الطلبة الذين سيتخرجون خلال بضع سنوات.
ولذلك طالبت نقابة الأطباء أكثر من مرة بوقف التوسع العشوائى فى إنشاء كليات الطب، وعدم إنشاء أى كليات طب جديدة، وتطبيق القانون على الكليات التى لم تنشئ مستشفيات جامعية وانتهاء مهلة الـ3 سنوات التى حصلوا عليها لإنشاء هذه المستشفيات، ووقف قبول طلاب جدد بهذه الكليات فى العام الدراسى المقبل.
كما طالبت النقابة بضرورة ربط أعداد المقبولين بكليات الطب بالقدرة الفعلية للمستشفيات الجامعية ومؤسسات التدريب على استيعابهم وتأهيلهم.
وشددت النقابة على أن المستشفى الجامعى ليس مبنى شكلياً أو استيفاء إدارياً للإجراءات، وإنما هو القلب الحقيقى للعملية التعليمية والتدريبية، ولا يجوز أن تستمر أى كلية طب فى تخريج دفعات جديدة أو استقبال طلاب جدد دون امتلاك مستشفى جامعى قادر على أداء هذا الدور.
وأكدت أن نجاح برنامج الامتياز الموحد لن يتحقق بالقرارات واللوائح وحدها، وإنما بتوفير بيئة تدريبية حقيقية تسمح للطبيب بالتعلم واكتساب المهارات الإكلينيكية اللازمة لممارسة المهنة وفق المعايير العلمية والمهنية السليمة.
وحملت النقابة وزارة التعليم العالى وجميع الجهات المعنية مسئولية الاستمرار فى سياسات التوسع الكمى غير المنضبط دون توفير الإمكانات التدريبية اللازمة وعدم تطبيق القانون على الكليات التى لم تلتزم بمهلة السنوات الثلاث، مؤكدة أن حماية جودة التعليم الطبى ليست مطلباً فئوياً للأطباء، بل قضية تتعلق بحق كل مواطن فى الحصول على خدمة صحية آمنة يقدمها طبيب تلقى تدريباً حقيقياً ومتكاملاً.
وأشارت النقابة إلى أنه إذا لم يتم التعامل مع هذه التحذيرات بجدية وحسم، فإننا سنكون أمام أزمة أكبر تمس كفاءة الطبيب المصرى، ومستقبل المهنة، وحق المواطن فى الحصول على خدمة صحية آمنة.
أزمة تعليم
فى هذا الصدد، قال الدكتور نبيل العطار، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، إن غياب المستشفيات الجامعيات بكليات الطب مشكلة مؤثرة على الفريق الطبى ومستوى الخدمة الطبية المقدمة فى مصر.
وأضاف العطار أن عدد كليات الطب الحكومية الموجودة فى مصر يصل إلى 28 كلية لكن خلال السنوات الأخيرة شهدنا انفتاحاً غريباً من وزارة التعليم العالى للموافقة على إنشاء 75 جامعة خاصة وأهلية، مشيراً إلى أنه من المفترض أن تكون الجامعات الخاصة والأهلية حسب احتياجات المجتمع وليس بهذا الانفتاح الغريب.
ولفت إلى أنه فى الوقت الذى نعانى فيه من زيادة أعداد الأطباء فى تخصصات معينة مثل الأسنان والعلاج الطبيعى والصيادلة أيضاً، نجد افتتاح كليات جديدة فى هذه التخصصات بشكل مستمر، مؤكداً أن هذا الأمر مسئولية الحكومة وغياب التنسيق بين الوزارات المختلفة، وسيؤدى إلى أزمة لدى الخريجين تؤثر فى مستوى الخدمة الطبية المقدمة للمجتمع المصرى، وسمعة الطب فى مصر والفريق الطبى بشكل عام سواء طبيب أو صيدلى أو علاج طبيعى.
وأشار العطار إلى أن هذه السياسة الخاطئة يتحمل جزءاً منها المجلس الأعلى للجامعات ووزارة التعليم العالى وستقلل من قيمة خريجى الجامعات المصرية.
وذكر عضو لجنة الصحة بمجلس النواب أن من أهم مقومات الفريق الطبى التدريب الإكلينيكى آخر 3 سنوات من الدراسة الجامعية وممارسة المهنة فى أحد المستشفيات، لافتاً إلى أن تحذير نقابة الأطباء من غياب المستشفى الجامعى عن عدد كبير من الكليات يعد صرخة وتحذير للدولة والجامعات الخاصة بضرورة إنشاء هذه المستشفيات حرصاً على المنظومة الصحية والطبية فى مصر.
وتساءل العطار قائلاً: «لماذا تم الاستعجال والموافقة على افتتاح كليات طب فى جامعات خاصة أو أهلية دون إنشاء واكتمال البنية الأساسية للمستشفى الجامعى فى هذه الكليات، ولمصلحة من تخريج طبيب غير مؤهل وغير مدرب والإضرار بسمعة الطب فى مصر؟
ولفت عضو لجنة الصحة فى مجلس النواب، إلى أنه إذا استمرت هذه المشكلة خلال السنوات العشر المقبلة فسيؤدى ذلك إلى خفض مستوى الخدمة الطبية فى مصر بشكل كبير، وتراجع ثقة الدول العربية فى الطبيب المصرى وتقليل فرص عمل الأطباء المصريين فى الخارج، مع تزاحم وزيادة أعداد الخريجين فى السوق، وستختلف نظرة المجتمع للطبيب.
أطباء دون تدريب

وتشير البيانات إلى أن أعداد الخريجين ارتفعت تدريجياً من نحو 8 إلى 9 آلاف خريج فى السنوات السابقة لتتجاوز حالياً حاجز الـ15 إلى 20 ألف خريج سنوياً للطب البشرى.
وقال الدكتور أحمد الشربينى، عضو مجلس نقابة الأطباء، إن كليات الطب والقطاع الصحى عامة يعد قطاعاً عملياً وليس نظرياً، والتجارب أثبتت ضرورة إنشاء وتشغيل مستشفى جامعى أولاً ثم إلحاق كلية بها وليس العكس.
وأضاف الشربينى أن المستشفى الجامعى تعتبر مستشفى الإحالة فى أى محافظة، أى أنه إذا كانت هناك حالات صعبة فى مستشفى مركزى أو عام يتم تحويل هذه الحالات إلى المستشفى الجامعى وبالتالى لابد أن تعمل 24 ساعة بكامل طاقتها، وعندما يصبح المستشفى الجامعى قادراً على ذلك، وقتها نقوم بافتتاح كلية طب.
وأوضح عضو مجلس نقابة الأطباء، أن أهم ما فى المنظومة التعليمية الطبية هو إخراج طبيب كفء، فكيف يتخرج هذا الطبيب وهو لم يمارس المهنة بشكل عملى فى مستشفى جامعى وكل دراسته كانت نظرية، فهذا الوضع يؤدى إلى حدوث قصور فى إعداد الأطباء، لأن التعليم الطبى الإكلينيكى السريرى جزء لا يتجزأ من تعليم الطالب.
المستشفيات العامة حل مؤقت

«ما يحدث حالياً من إنشاء كليات للطب ثم تقوم الجامعة بتوقيع بروتوكول تعاون مع أحد المستشفيات الحكومية العامة التى تعمل منذ سنوات، لتدريب الطلبة فيها، يعد حلاً مؤقتاً وليس نهائياً، لأنه مهما كان حجم المستشفى العام فإنه لن يستوعب عدد الطلاب كل عام ولن يتم منحهم الوقت الكافى للتعليم والتدريب لأن المستشفى العام غير مخصص لهذا الأمر من البداية» وفقاً للدكتور أحمد الشربينى.
وأكد الشربينى أن عدم وجود مستشفى جامعى سيؤدى إلى تخريج طبيب غير كفء وغير قادر على التعامل مع المرضى، لأن هناك خبرات عديدة يكتسبها خلال فترة وجوده فى المستشفى الجامعى، ويفهم الأجواء والمناخ والظروف اليومية فى المستشفيات وطرق تعامل الأطباء الكبار مع المرضى والفرق الطبية وهكذا.
وفيما يتعلق بتعامل النقابة مع قيد هؤلاء الطلاب، قال إنه فى حالة اقتراب تخرج دفعة فى إحدى الكليات ولم يكن لديها مستشفى جامعى حتى الآن وكان هناك بروتوكول تعاون بينها وبين أحد المستشفيات العامة لتدريب الطلبة، أو فتحت المستشفى الجامعى الخاص بها فى آخر سنة قبل التخرج، فإنه يتم قبول قيد الطلبة، لكن المسألة حتى الآن ضبابية فى مسألة عدم وجود مستشفى جامعى أو بروتوكول تعاون، خاصة أن هناك قراراً من الجمعية العمومية للنقابة بعدم قبول الطلبة من هذه الكليات، لكن فى نفس الوقت إنشاء الكلية صادر بقرار جمهورى أو وزارى، وهنا المشكلة.
وذكر الشربينى أن أولياء الأمور أصبح لديهم وعى أكبر بهذه المشكلة وبدأوا يستفسرون من النقابة عن الكليات المقيدة والمعتمدة منها قبل إلحاق أبنائهم بكليات الطب، مؤكداً أن نقابة الأطباء هدفها حماية المهنة والمرضى فى نفس الوقت ولذلك طالبت بوقف قيد هؤلاء الطلبة حرصاً على صحة المواطنين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض