على فكرة
أدرتُ جهاز «الريموت كنترول» للبحث عن نشرات الأخبار فى الفضائيات الغربية للاطلاع على ما تبثه حول زيارة الرئيس الصينى «شى جين بينج» للقاهرة، فشعرت بالخيبة بعدما وجدت عجبا. وبينما أفردت القناة الفرنسية فرنسا 24 مساحة واسعة للنقاش حول الزيارة والإعلان عن بدئها، بجانب الفضائية الألمانية، تجاهلت فضائية «بى بى سى عربى» فى أولى فتراتها الإخبارية الرئيسية الزيارة تمامًا. وتصفحت موقعها الإلكترونى فى نسختيه العربية والإنجليزية، فلم أجد شيئا يذكر، فى حين تصدر أخبارها عن مصر فى موقعيها يوم وصول «بينج» إلى القاهرة، خبر وحيد عن الحادث المؤلم لانقلاب حافلة فى دهب، راح ضحيته للأسف 22 مواطنا.
ولم تكن تلك المعالجة غير المهنية لزيارة تاريخية بكل المعايير من حيث التوقيت والأهداف، وحظيت باهتمام وسائل الإعلام الغربية والأمريكية، بعيدة عن التناول غير الموضوعى للفضائية البريطانية، لكل ما يتعلق بالشئون المصرية منذ 30 يونيو 2013، وسرعتها الهائلة منذئذ لبث البرامج والحوارات والأخبار السلبية، التى تنطوى على كل شاردة وواردة عن مصر وشعبها. ولا معنى لذلك إلا المدى الذى وصل إليه تغلغل جماعة الإخوان وأنصارها فى إدارة سياستها التحريرية. أوليس من بين عجائبها المثيرة للسخرية والدهشة، أن تبث نشراتها الجوية قبيل بدء فتراتها الإخبارية، فتشمل كل العواصم العربية، بينما تستثنى القاهرة؟ ألا يلخص الفيديو الافتتاحى الشهير لنشراتها الإخبارية، مدى رؤيتها الاستعمارية لبلادنا، حين يختزل ببساطة وإصرار فج قبيح، منطقة الشرق الأوسط ذات الحضارات الراسخة، فى صور الدمار والخراب والركام والبؤس؟!
السؤال المركزى الذى هيمن على التغطية الغربية للزيارة هو: هل مصر قادرة على مواجهة الضغط الأمريكى من جراء توسيع علاقاتها بالصين؟ ولعل ما عزز هذا الطرح، ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية الشهيرة، من أن الرئيس الصينى بزيارته لمصر يتحدى النفوذ الأمريكى فى الشرق الأوسط، لأنه يتحرك ليثبت قدرة بلاده على بناء علاقات استراتيجية فى بلاد تقع من الناحية التقليدية فى دائرة النفوذ الأمريكى. لكن ما غاب عن هذا النوع من الأسئلة غير الاستفهامية المربكة، أن السياسة الخارجية المصرية تقوم منذ زمن على التوازن فى علاقاتها الدولية من أجل توسيع خياراتها التنموية، وتنويع مصادر تسلحها وتسييد موقفها المبدئى بالسعى لحل الصراعات الإقليمية والدولية بالطرق السياسية، بدلاً من الصراعات الحربية.
جاء الرئيس الصينى إلى القاهرة قادمًا من قمة منظمة شنغهاى للتعاون لدول آسيا الوسطى التى أدانت فى بيانها الختامى الحرب على إيران، بينما دعا «بينج» من فوق منصتها إلى تعددية تلبى طموحات المجتمع الدولى، وإلى رفض التدخلات فى الشئون الداخلية، وإلى ضرورة الاحتكام للقانون الدولى ومبادئ الأمم المتحدة. وهى نفس المعانى التى جددها فى القاهرة، وسوف يحملها معه إلى نيودلهى حيث تعقد فى 12 و13 من الشهر الحالى قمة دول البريكس ليعقبها بزيارة إلى واشنطن. وليس سرا أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران انطوت على عقوبات ثانوية لمواجهة الدول التى تتعامل معها، خضع لها قبل أيام فرع بنك مصر فى الإمارات، وينتظر أن تطول الصين بوصفها أكبر مشتر للنفط الإيرانى، لكن الرئيس الصينى اعترض على تلك العقوبات وأكد أن بلاده قادرة على الدفاع عن مصالحها.
ولم يعد أمام دول جنوب العالم، وبينها الدول العربية، سوى البحث عن التحالفات التى تحمى مصالحها، لمواجهة سطوة السياسة العدوانية الأمريكية المنشغلة بتعظيم مكاسبها من مواصلة الحروب وخرق القانون الدولى ودعم إسرائيل، والاستيلاء على نفط فنزويلا، وتحريض جزيرة تايوان لرفض المساعى الصينية لاستعادتها، وتغيير أسماء الخرائط والممرات المائية الدولية، وها هى قوة عظمى مثل الصين تدعم التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب، فهل من مستجيب؟!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض