حرب ضروس على مصانع الصلب المتكاملة فى مصر، فمن يحميها؟!، فى مارس 2018 «الولاية الأولى للرئيس ترامب» فرض ترامب رسوما بنسبة 25% على واردات الصلب و10% على الألومنيوم بموجب المادة 232 من قانون التوسع التجارى لعام 1962، بدعوى حماية الأمن القومى ومصانع الصلب الأمريكية. وفى المدة من فبراير- مارس 2025 «بداية الولاية الثانية» أعاد ترامب تفعيل وتطبيق نسبة الـ 25% فور توليه منصبه مجددا، ليلغى الاتفاقيات والإعفاءات السابقة التى تُوصل إليها فى عهد إدارة بايدن. وفى يونيو 2025 رفع ترامب الرسوم على واردات الصلب والألومنيوم الأساسية (Core Metal Articles) من 25 % إلى 50 % لحماية الصناعة الوطنية بشكل مضاعف وضبط سلاسل الإمداد. وأخيرا، فى يونيو 2026 «المراجعات الأخيرة»: أدخلت الإدارة تعديلات جديدة لتحديد النسبة بناء على نسبة المحتوى الأمريكى وشروط التجهيز، حيث ظلت المنتجات المعدنية الأساسية خاضعة لنسبة 50 %، مع تطبيق إعفاءات أو خفض للرسوم يصل إلى 10 % للمنتجات المصنعة فى الخارج بشرط أن تحتوى على 85 % -على الأقل- من صلب، أو ألومنيوم ذائب ومصبوب داخل الولايات المتحدة.
الدفاع عن واردات البيليت المعفاة من الرسوم بحجة حماية «مصانع الدرفلة» يغفل عمداً حقيقة اقتصادية وصناعية مهمة، الدرفلة ليست سوى عملية تشكيل ميكانيكية لمنتج نصف مصنع تم صهره وسبكه وتشكيله كيميائياً فى أفران دول أخرى. إن السماح بإغراق السوق المحلى بالبيليت المستورد يوازى تماماً استيراد السلع المفككة لتجميعها محلياً، ثم مطالبة الدولة بمعاملتها كصناعة وطنية ثقيلة! فأين القيمة المضافة الحقيقية عندما تستورد مصانع الدرفلة منتج وسيط وتكتفى بدرفلته فقط؟
على الجانب الآخر، تقف المصانع المتكاملة وشبه المتكاملة فى مصر على خط المواجهة الأول للاقتصاد القومى. فهى الكيانات التى ضخت مئات الملايين من الدولارات لبناء أفران الصهر، ووحدات الاختزال المباشر، ومحطات المعالجة، وتحملت أعباء التكنولوجيا، وكثافة الطاقة، والعمالة الضخمة، لإنتاج الصلب السائل وسبكه محلياً. هذه المصانع توفر لمصر طاقة إنتاجية من البيليت تتجاوز 13,7 مليون طن، بينما لا يتعدى الاستهلاك المحلى الإجمالى لحديد التسليح حاجز 8,8 مليون طن «ينتج الطن الواحد من خام البيليت من 0,95 إلى 0,98 طن من حديد التسليح» أى ما يعادل تقريباً 950 إلى 980 كجم. فما معنى أن نترك فائضاً محلياً يتجاوز 4,9 مليون طن معطلاً، لنستورد البيليت بالعملة الصعبة من الخارج؟
إن حجج مصانع الدرفلة بشأن الارتفاع المحتمل لأسعار المنتج النهائى تسقط فور مقارنتها بالواقع العالمى. فالولايات المتحدة لم تتردد فى فرض رسوم حماية بلغت 50% لحماية أفرانها الوطنية من المادة الخام وحتى المنتج النهائى، والاتحاد الأوروبى يحصن أسواقه بنظم حصص صارمة ورسوم وقائية مشددة، بينما تدعم تركيا مصانعها وفق آليات مشروطة بالتدفق العكسى والتصدير. فلماذا يُطلب من مصر وحدها أن تترك أسواقها وصناعة وطنية تمتلك فيها أفضلية نسبية، مكشوفة أمام سياسات الإغراق العالمية وضغوط الفائض الخارجى؟ هل نحن أفضل وأقوى من الولايات المتحدة الأمريكية؟ أم أننا أحوج ما نكون إلى حماية صناعتنا الوطنية المتكاملة؟!!
قرار فرض رسوم وقائية على البيليت المستورد لا يستهدف إغلاق مصانع الدرفلة، لكن يضعها أمام مسؤولية التطوير الحقيقى، إما التحول التدريجى نحو الاستثمار فى أفران الصهر والاندماج فى الدورة الإنتاجية الشاملة، أو الاعتماد على الخام المحلى الذى توفره المصانع الوطنية. أما الاعتماد على الثغرات الجمركية واستيراد مدخلات التكلفة الرخيصة لتحقيق أرباح سريعة على حساب الصناعة المتكاملة، فهو نموذج اقتصادى مشوه لم يعد يحتمل التجاهل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض