رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

من الحمار إلى استلاب الشعب.. قراءة سيميائية في «حكاية حمار حضرة العمدة»

بوابة الوفد الإلكترونية

 

يقول جورج أورويل:
«في زمن الخداع العالمي، تصبح كتابة الحقيقة عملًا ثوريًا.».
ونحن الآن أمام قصة تتناص مع الحقيقة والواقع بأزماته.

من هنا تأتي قصة (حكاية حمار حضرة العمدة) للكاتب سعيد أبوضيف، فهي وإن انطلقت من أزمة اقتصادية عرفتها مصر في ثمانينيات القرن الماضي، فإنها تحمل إسقاطات ودلالات سياسية واجتماعية تتجاوز زمن كتابتها، وتظل قادرة على ملامسة واقعنا الراهن.
وإن ثبت أن الكاتب لم يضف إليها أي تعديل منذ كتبت، سواء في المفردات المستخدمة أو غيرها، فإننا نكون أمام نموذج أدبي يصلح أن نتخذه نقطة انطلاق لبحث اجتماعي يقارن بين فكر ولغة ومصطلحات الشعب المصري في الماضي والحاضر، والتي تثبت أن المصريين لم تطرأ على تفكيرهم اختلافات جوهرية، وأن كل جيل يحمل سمات كثيرة من الأجيال السابقة.
وربما أيقنا أن الهوة التي نتحدث عن وجودها بيننا وبين جيل الشباب الحالي قد تضيق بتواتر السنوات والظروف والمحن، فنفاجأ بتشابه ردود الفعل والسلوك، بل والمفردات أيضًا.

الكاتب سعيد أبوضيف
الكاتب سعيد أبوضيف


 

وتعتمد قصة «حكاية حمار حضرة العمدة» على الأمثولة أو الرمزية الحيوانية لبناء معالجة ساخرة لآليات السلطة والهيمنة الاقتصادية، والتحقير من إرادة الشعوب في فترة الثمانينيات. ولأن القصة تحفل في الأساس بالعديد من الرموز، فيمكننا مناقشتها سيميائيًا، على النحو التالي:

رمزية (حمار العمدة)


يرمز حمار العمدة إلى السلطة المستبدة والوكيل التنفيذي، وهنا تكمن المفارقة في تحويل الحمار ــ الذي هو رمز تاريخي للإذعان والخضوع ــ إلى حاكم يمارس الديكتاتورية، لتبدو هنا عبثية الشرعية السياسية التي تُبنى على الوهم أو الادعاء المتجاوز للمنطق، أو يوسد الأمر لغير أهله.
ويأتي استخدام الكاتب لرمزية الحمار للدلالة على شدة الخضوع واستلاب الإرادة، كذلك يعد تمثيلًا لما وقر في العقلية الجمعية للمصريين من أن الحمار كائن يسهل خداعه واستغلاله، وهو ما يستدعي التعبير الشعبي: «ليه إنت شايفني حمار؟»، بما يرمز للاستخفاف بالشعب وقدرته على الفهم والاختيار.


دلالة العنوان


يحمل العنوان «حكاية حمار حضرة العمدة» دلالات كثيرة؛ فإلى جانب الدلالة الساخرة، فهو يجعل الحمار مركز الحكاية، بينما يرمز لقب «حضرة العمدة» إلى السلطة والهيبة والمكانة الاجتماعية.
وتوحي «الحكاية» بأننا أمام واقعة تبدو بسيطة أو طريفة، لكنها قد تكشف من خلالها شيئًا أكبر عن المجتمع وشخصياته وعلاقاته.
أما «الحمار»، ففي الدلالة الرمزية، يرتبط بالبساطة والهامش والجهل أحيانًا، وقد يتحول إلى مرآة تكشف سلوك البشر.
بينما تحمل عبارة «حضرة العمدة» نبرة تهكمية؛ فالعمدة رمز للسلطة والنفوذ، وإضافة «حضرة» تمنح اللقب مسحة رسمية تتناقض مع موضوع الحكاية وموقفه الظالم الذي لا يستحق أي احترام، فتبدو هنا المفارقة الساخرة.
والجمع بين العمدة والحمار يفتح بابًا للسخرية من السلطة، كما أن إضافة «الحمار» للعمدة تدل على استغلال السلطة حين الانتماء إليها بشكل أو بآخر.
والعنوان، في رأيي، ناجح لأنه لا يقول للقارئ مسبقًا ما الذي يريد النص أن يقوله، بل يضعه أمام مفارقة: لماذا صار لحمار العمدة حكاية تستحق أن تُروى؟ وهذه المفارقة هي التي تدفعه إلى القراءة.


دلالة (الرؤيا)
تلك الرؤيا التي رآها حمار العمدة، بأنه ينكح الحمير جميعًا، استطاع هنا الكاتب أن يوظف «الرؤيا» كوسيلة لإضفاء المشروعية الدينية والغيبية على القرارات الاستبدادية.
بينما يرمز «النكاح الجماعي» سيميائيًا إلى الانتهاك الكامل والسافر لكرامة المواطنين واستباحة أجسادهم التي ترمز بدورها إلى استباحة إرادتهم الحرة.
وفيما يرمز سلوك «الأُتُن» إلى النخبة الانتهازية والمستفيدة من السلطة؛ حيث يُعاد تفسير الإهانة والاستبداد على أنه «شرف» ومكسب طبقي، عندما تحدثن عن إنتاج «نخبة الحمير» التي ستنتمي لأمراء الحمير.

 

الدلالات المكانية والاقتصادية 

وإذا ما انتقلنا إلى الدلالات المكانية والاقتصادية، فإن اختفاء دكة النورج القديم لصالح ماكينة الدراس التي يسيطر عليها العمدة، يرمز للتحول من الاقتصاد الزراعي إلى الرأسمالية الاحتكارية والتحديث القسري الذي يجرد الفلاح من أدوات إنتاجه ويربط قوته بآلة السلطة، وهو ما عبر عنه بقوله: «ليعرف مصير أي حبة قمح»، وهو هنا يجسد القمع ويؤكد على السيطرة الكاملة على الظلم المتمثل فيما يفعله العمدة بهم، كما يدل على خضوعهم الكامل وعدم التفكير في الاعتراض.
بينما تبدو رمزية «البرسيم» في تحول البرسيم من مجرد نبات إلى عنصر دال على السلع الأساسية وقوت الشعب، فيمثل رفع سعره بداية سلسلة التضخم وانسحابه على رفع أسعار باقي السلع، وتجفيف «ضروع» المجتمع: «البرسيم الذي لا نستغني عنه يا شيخ؟»، «الكل بحاجة للبرسيم»، وهو انعكاس مباشر لسياسات رفع الدعم وغلاء المعيشة في تلك الحقبة.


وهم السلطة
وفي قوله: «يُحكى أن حمار حضرة العمدة تراءى له في المنام أنه الحمار الأوحد، الذي يركبه العمدة فقط»، قرر أن يتخذ قرارًا، وهنا تتجلى دلالة استغلال السلطة، وأن تلك السلطة كهيمنة قد تكون في أساسها وهمًا وحلمًا.
وفي قوله: «أن يكون رئيسًا على جمهورية كل شعبها من الحمير»، دلالة على تغييب الشعب وخضوعه وعدم وجود من لديه قدرة على الاعتراض.
وفي قوله: «وبدأ يُعد نفسه أيضًا ليكون الحمار الوحيد في القرية، المسئول عن حفظ نسل الحمير الممتازة»، تتأكد دلالة الانفراد بالسلطة ووهمها، فاتخذ قرارًا له صفة القانون، في محاولة لشرعنة القرار وإخراجه من مجرد الرغبة الشخصية إلى سلطة ملزمة للجميع.
أما قوله: «رأيت في المنام كأني أنكحكم جميعًا»، فيحمل دلالة على أن قرارات السلطة ظالمة ومحتكرة، وتخضع الشعب مسلوب الإرادة، والنكاح هنا إشارة إلى الفعل بالإكراه، بما يشبه الاغتصاب.
وفي قوله: «فانظروا ماذا ترون، وإني لفاعل بكم ما قد سمعتم، ولن أتخلف عن هذا الأمر»، تأتي لام التوكيد في «لفاعل» لتؤكد حسم القرار، بعد قوله «فانظروا ماذا ترون»، بما يكشف وهم الديمقراطية، وأنها قد تكون مجرد شعارات تتشدق بها السلطة، بينما القرار محسوم قبل طلب رأي الشعب.
وقوله: «انقسم شعب الحمير إلى شعبين» يدل على انقسام الشعب إلى فريقين؛ أحدهما مؤيد لقرارات السلطة ويجد لها من المبررات الكثير، والآخر معارض، لكنه لا يملك إرادة حقيقية للتغيير.


الثنائيات الضدية
كما تحفل القصة بالعديد من الثنائيات الضدية؛ فبينما يقف بعضها في جانب الشعب المغلوب على أمره، نجد ضده يقف في جانب العمدة أو السلطة، ويمكننا ذكر بعضها:
ثنائية الخضوع والبحث عن المبررات في مقابل الرؤيا والقرار الاحتكاري؛ الأولى تمثل الشعب، والأخرى تمثل السلطة.
والنورج القديم المكتسح في مقابل الماكينات الحديثة، وبقية الحمير الذكور، المسحوقين، في مقابل حمار العمدة المغتصب.
وتكشف هذه الثنائيات عن اختلال واضح في موازين القوة، فالسلطة تملك القرار والفعل، بينما لا يملك الشعب سوى الخضوع أو الاعتراض اللفظي أو البحث عن مبررات لما يحدث.


التناص
وإذا انتقلنا إلى التناص، نجد أن عبارة «علي عوض» بها تناص مع التراث الشعبي والأمثلة الشعبية، فقد تحول التعبير من مجرد الحسرة «عليه العوض» إلى اسم علم يحمل دلالة، يُلمز به العمدة، مما يبرز أهمية المقاومة اللفظية والنكتة الشعبية كوسيلة دفاع نفسية حين تغيب المقاومة الفعلية.
بينما نجد هناك أيضًا تناصًا مع الموروث الديني؛ فختام النص بتحريف قول النبي إسماعيل لأبيه: «افعل ما تؤمر، ستجدنا إن شاء الله من الصابرين»، يحمل دلالة سيميائية قاسية؛ فهو يكشف كيف يمكن أن يُستغل النص الديني لشرعنة المهانة وتمرير القمع تحت مسمى «المصلحة العامة» والصبر على البلاء.
كما أن هناك تناصًا مع اللغة اليومية الخاصة بالشعب المصري، في قوله «يصب في مصلحة الشعب»، وهو التعبير الذي يستخدم كلما ارتفعت الأسعار، للدلالة على فعل الظلم والإخضاع، بما يشبه الاغتصاب أو النكاح على غير الإرادة.


السرد واللغة
يستخدم الكاتب لغة سردية سهلة، تتفق والفكرة التي تعالجها القصة، وتعتمد على استخدام الراوي العليم، بينما استخدم في مستهلها جملة «يُحكى أن»، وهو تناص مع لغة الأساطير العربية وحكايات الأقدمين، للدلالة على أن الظلم يضرب في القدم ولا زمن محددًا له.
وتبدو بساطة اللغة هنا جزءًا من بناء القصة، فهي لغة قريبة من الحكاية الشعبية، وتسمح للرموز بأن تصل إلى القارئ دون تعقيد، وهو ما ينسجم مع طبيعة المعالجة الساخرة التي اختارها الكاتب.


النهاية
تأتي النهاية هنا كنصيحة للحمار، لتقال على لسان الحمير المسحوقة: «فافعل ما تؤمر، وستجدنا إن شاء الله من الصابرين»، لتقرر موقف الإذعان والخضوع المستمر، وأنه لا أمل في تلك الحمير المسحوقة أن تنتفض يومًا.
وربما تكمن قسوة النهاية في أنها لا تقدم الخضوع باعتباره نتيجة مؤقتة، وإنما تكشف تحوله إلى سلوك مستقر، وإلى وسيلة يتعامل بها المقهور مع واقعه، فيتحول الصبر من احتمال للبلاء إلى قبول بما تفرضه السلطة.


ملحوظة فنية: 

تكرار مفردة «القرية» في قوله: «وبدأ يعد نفسه أيضًا ليكون الحمار الوحيد في القرية، المسئول عن حفظ نسل الحمير الممتازة في القرية» لا تبدو له حاجة بلاغية واضحة، وكان يمكن الاستغناء عن أحد اللفظين دون الإخلال بالمعنى.

ختاما، نحن أمام قصة رمزية دلالية في المقام الأول، ذات أبعاد سياسية واجتماعية واضحة، وفق الكاتب في تحميل مفرداته وتراكيبه ما أدى إلى إيصال الفكرة الرئيسة بوضوح، واستطاع أن يجعل من الحكاية الحيوانية الساخرة وسيلة لكشف آليات السلطة والهيمنة واستلاب الإرادة.
وربما تكمن قيمة القصة الأهم في أنها لم تتوقف عند لحظتها التاريخية؛ فبعد نحو أربعين عامًا، ما زالت قادرة على استدعاء أسئلة الغلاء والسلطة والخضوع، بل إن لغتها وردود أفعال شخصياتها تبدو في بعض المواضع قريبة من لغة الناس اليوم.
وهنا نعود إلى المفارقة الأولى: كيف لنص كتب عام ١٩٨٧ أن يبدو، في بعض تفاصيله، وكأنه كتب اليوم؟
لعل الإجابة أن الأدب الذي يُكتب بصدق لا يعيش في زمنه وحده؛ فهو يلتقط ما هو أعمق من الحدث العابر، ويقبض على الإنسان في علاقته بالسلطة والخوف والحاجة والبحث عن مبرر للصبر؛ ولذلك، فإن «حكاية حمار حضرة العمدة» لا تستعيد راهنيتها لأن التاريخ يعيد نفسه بالضرورة، وإنما لأن بعض الأسئلة التي طرحتها القصة لم تجد، بعد كل هذه السنوات، إجابات نهائية.