رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

فتحت زيارة الرئيس الصينى  شي جين بينغ   وقرينته إلى  مصر، بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، آفاقاً واسعة من الإهتمام الإعلامي العالمي. وتابعت بإهتمام ما تناولته المواقع والصحف ومواقع التواصل الإجتماعي حول الزيارة، وتوقفت بشكل خاص أمام ما كتبه الدكتور أحمد السعيد، المترجم والباحث في الشأن الصيني، وصاحب دار نشر " بيت الحكمة " المعنية بنشر الثقافة الصينية في العالم العربي، والتعريف بالثقافة المصرية في الصين

كتب أحمد السعيد متسائلاً عن غياب الإهتمام الكافي بالعلاقات الثقافية المصرية الصينية، رغم أنها في رأيه تمثل أحد أهم أسس هذه العلاقة وأبرز مصادر قوتها الناعمة

والحقيقة أن ما طرحه يستحق التوقف والتأمل

فمصر تمتلك رصيداً ثقافياً وإنسانياً هائلاً  في علاقتها بالصين. لدينا آلاف من خريجي أقسام اللغة الصينية، وعشرات المترجمين الأكفاء الذين صدرت لهم أعمال مهمة، ولدينا وزارة الثقافة ومؤسسة ثقافية مثل "بيت الحكمة " استطاعت أن تنقل وتنشر في مصر مئات الكتب الصينية باللغة العربية، وأن تسهم في بناء جسر حقيقي بين الثقافتين

وفي المقابل، وصلت أعمال أدبية مصرية إلى القارئ الصيني من خلال الترجمة، وحققت حضوراً وتأثيراً كبيراً ، كما تُرجمت أعمال عدد كبير من المبدعين المصريين إلى الصينية

ولم تتوقف العلاقات عند الكتاب والترجمة، بل امتدت إلى السينما والفنون التشكيلية والخط والمعارض والتبادل الفني. شارك ممثلون مصريون في أفلام صينية، وعُرضت أفلام مصرية في الصين، وشارك نقاد سينما  في مهرجانات سينمائية صينية، كما كُرِّم فنانون ومبدعون مصريون في الصين. ووقع مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومجموعة الصين للإعلام  مذكرة تفاهم لتعميق التعاون السينمائي في الإحتفال بمرور 70 عاماً على العلاقات المصرية الصينية،  والأهم  أن ثمانية مصريين حصلوا على واحدة من أرفع الجوائز الثقافية الصينية،  جائزة الدولة للإسهام المتميز في مجال الكتاب، إلى جانب حصول مترجمين مصريين على عدد كبير من الجوائز العربية في مجال الترجمة عن الصينية

كل ذلك يؤكد أننا لا نتحدث عن علاقة ثقافية هامشية أو عابرة، وإنما عن تاريخ طويل من التواصل والتأثير المتبادل، إنها قوة ناعمة حقيقية،بل إن تأثير الثقافة المصرية في الوجدان الصيني قد يقترب، في بعض جوانبه، من تأثير السياسة والتجارة. فالصورة التي يحملها الصيني عن مصر لا تبدأ من اللحظة الراهنة، وإنما تمتد جذورها إلى آلاف السنين، وإلى الحضارة المصرية القديمة، والأزهر الشريف، والكنيسة المصرية ،ونجيب محفوظ، وقناة السويس، وإلى الدور المصري التاريخي في أفريقيا والعالم العربي.

وهنا أتوقف أيضاً أمام حوار أجرته الصديقة المبدعة نهلة النمر مع الدكتور أحمد السعيد، ونشرته جريدة وبوابة " الوفد "  خاصة عندما سألته: كيف تنظر إلى بلدك من الخارج؟ وهل ترى أشياء أخفاها الإعتياد؟

كانت إجابته شديدة الدلالة:من الصين اكتشفت أن مصر في مخيلة الآخرين أكبر مما تبدو في حديثنا عن أنفسنا

جملة تختصر الكثير

فالمصري عندما يدخل إلى بيئة صينية، يدخل وفي رصيده احترام لم يصنعه هو شخصياً وإنما صنعته أجيال متعاقبة من المصريين ، اسم مصر وحده يستدعي في الذاكرة الصينية الحضارة القديمة،  ودولة كانت وما زال لها حضور مركزي في أفريقيا  والعالم.

هذا الرصيد التاريخي جعل الرئيس الصينى خلال جولته بالمتحف الكبير  ينبهر بالحضارة المصرية وما تمثله من إسهام بارز في المسيرة الإنسانية، مشيداً بالمتحف المصري الكبير بإعتباره صرحاً ثقافياً  عالمياً يليق بعظمة مصر.

وكما قال أحمد السعيد، فإن هذا الرصيد يحتاج إلى من يجدد حضوره واستغلال القيم الفنية والجمالية للحضارة المصرية القديمة ،وهنا تكمن مسؤوليتنا جميعاً
فالعلاقات المصرية الصينية  مساحة واسعة من التعاون الثقافي يمكن أن تصبح أحد أهم أعمدة هذه العلاقة، خاصة أن ، الكفاءات والتجارب الناجحة موجودة، والجمهور الصيني لديه اهتمام حقيقي بمصر وثقافتها.

وعلينا أن  نستثمر في المترجم المصري الذي يعرف الصين ويستطيع أن ينقل ثقافتها إلى القارئ العربي، وفي الوقت نفسه ينقل صوت مصر إلى القارئ الصيني و نمنح الأدب والفن والسينما والفكر مساحة تليق بحجم ما يمكن أن تحققه في بناء العلاقات بين الشعوب، و نقدم صورة مصر المعاصرة، إلى جانب صورة مصر التاريخية التي يعرفها العالم ويحترمها

و آن الأوان أن نعيد النظر في الثقافة بإعتبارها شريكاً أساسياً في العلاقات الدولية و أتمنى أن يستعيد المركز الثقافي الصيني في مصر قوته ومكانته ودوره، كما كان عليه في السابق، فهو أحد أهم أدوات القوة الناعمة في تعزيز التواصل والتفاهم والتقارب بين الشعبين المصري والصيني،فالمراكز الثقافية    هي جسور حقيقية للتعارف والحوار، ومساحات تتيح لكل شعب أن يرى الآخر  وأن يكتشف ثقافته وفنونه وأدبه وتاريخه وحياته المعاصرة.
فدعم المركز الثقافي الصيني وتطوير برامجه وتوسيع أنشطته، بالتوازي مع دعم الحضور الثقافي المصري في الصين، يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو استثمار ما نملكه بالفعل من رصيد ثقافي كبير، وتحويله إلى قوة ناعمة أكثر حضوراً وتأثيراً واستدامة.