شواطئ الإسكندرية ومطروح مرفوعة مؤقتًا من الخدمة:
انقلاب فى البحر
ارتفاع الأمواج لـ5 أمتار والمحافظات ترفع الراية الحمراء
تكرار النحر الساحلى والغرق المتكرر للمناطق المنخفضة وارتفاع منسوب مياه البحر ظواهر يجب الانتباه إليها
مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعى، كان يحمل مشاهد مُرعبة لانحسار مياه البحر بصورة مفاجئة فى أحد الشواطئ بالأرجنتين، انكشفت الصخور وظهرت بعض القوارب والسفن على اليابسة، وسرعان ما ربط متداولو الفيديو بين المشهد واحتمال اقتراب موجات «تسونامى»، ما أثار حالة من القلق والتساؤلات.
حالة الرعب زادت بعد أن أعلنت محافظتا الإسكندرية ومرسى مطروح عن إغلاق جميع الشواطئ نتيجة لارتفاع الأمواج بشكل مبالغ فيه لتزداد التساؤلات حول ماذا يحدث فى البحار؟ وهل التحذيرات السابقة حول غرق المدن الساحلية أصبحت وشيكة الآن؟
وكانت شواطئ الإسكندرية قد شهدت اضطرابًا ملحوظًا فى البحر، تزامن مع ظاهرة «ملتم أغسطس»، التى صاحبها نشاط للرياح وارتفاع كبير فى الأمواج، ورفعت المحافظة الراية الحمراء على الشواطئ، مع منع النزول إلى مياه البحر بسبب ارتفاع الأمواج التى وصلت فى بعض التقديرات إلى نحو 4.5 و5 أمتار.
انحسار البحر
الدراسات العلمية تؤكد دائمًا ضرورة الفصل بين الانحسار الطبيعى أو المرتبط بحالة المد والجزر، وبين الانحسار الساحلى المفاجئ والاستثنائى الذى قد يكون فى بعض الحالات إحدى العلامات التحذيرية الطبيعية السابقة لوصول تسونامى.
ففى حالة حدوث تسونامى، يمكن أن تتراجع مياه البحر بشكل غير معتاد وسريع لمسافة كبيرة، ثم تعود فى صورة موجات شديدة القوة. ولهذا فإن رؤية البحر وهو ينسحب بصورة مفاجئة وغير مألوفة، خصوصًا عقب زلزال أو اضطراب بحرى قوى، تستدعى الابتعاد فورًا عن الشاطئ وعدم انتظار وصول الموجة.
وتعليقا على هذا أكد الدكتور المهندس ماهر عزيز، استشارى الطاقة والبيئة وتغير المناخ وعضو مجلس الطاقة العالمى، أن الإسكندرية تشهد خلال الفترة الحالية نمطًا من التقلبات الجوية الخريفية المبكرة، وهى ظاهرة فى أصلها طبيعية، إلا أن حدتها وتكرارها أصبحا محل اهتمام متزايد فى ظل تداعيات التغير المناخى.
وأوضح «عزيز» أن أبرز ملامح التغير تتمثل فى ظهور بعض النوات واضطرابات البحر فى توقيتات مبكرة مقارنة بالمعتاد، إلى جانب سقوط كميات كبيرة من الأمطار خلال فترات زمنية قصيرة، وارتفاع نسبى فى درجات حرارة مياه البحر، فضلًا عن اشتداد الرياح والعواصف، مشيرًا إلى أن ارتفاع حرارة مياه البحر يمثل عاملًا مهمًا فى زيادة الطاقة المتاحة للعواصف.
وقال «عزيز»، إن المشكلة لا تكمن فى حدوث نوة منفردة، وإنما فى تغير النمط المناخى نفسه، موضحًا أن بعض الظواهر التى كانت ترتبط بمراحل متأخرة من الخريف أو الشتاء أصبحت تظهر فى توقيتات أبكر، وهو ما يفرض ضرورة تطوير منظومة التنبؤ والاستعداد والتعامل مع المخاطر الساحلية.
وحول ما يتم تداوله بشأن الأرجنتين أكد استشارى الطاقة والبيئة، أن ما شهدته بعض السواحل هناك يرتبط بظاهرة تراجع مؤقت لمنسوب المياه نتيجة تداخل عدد من العوامل الجوية والبحرية، من بينها اتجاه الرياح والضغط الجوى وحركة المد والجزر، وأن المياه عادت إلى مستوياتها الطبيعية لاحقًا.
وأشار إلى أن الظاهرة لا ترتبط بشكل مباشر بسواحل الإسكندرية، لكنها تؤكد فى الوقت نفسه أن السواحل حول العالم أصبحت أكثر تعرضًا لتداخل الظواهر الجوية والبحرية المتطرفة، وهو ما يستوجب رفع مستوى الجاهزية فى المدن الساحلية المصرية.
النحر الساحلى
وشدد الدكتور ماهر عزيز على أن هناك مجموعة من المؤشرات التى يجب التعامل معها باعتبارها إشارات تستوجب الحذر، وفى مقدمتها تكرار النحر الساحلى، والغرق المتكرر للمناطق المنخفضة، وارتفاع منسوب مياه البحر خلال النوات، وتلوث المياه، فضلًا عن تعرض شبكات الصرف والكهرباء والبنية الأساسية للضغط أو التلف أثناء موجات الطقس الشديدة.
وأوضح أن الخطر الحقيقى لا ينتج عن شدة النوة وحدها، وإنما من اجتماع ثلاثة عوامل: تكرار الظاهرة، وارتفاع حدتها، وعدم مواكبة البنية التحتية لمعدلات التغير فى المخاطر، مؤكدًا أن التعامل مع الإسكندرية باعتبارها مدينة ساحلية معرضة للمخاطر المناخية يجب أن يصبح جزءًا أساسيًا من التخطيط الحضرى.
ودعا إلى التحول من سياسة رد الفعل إلى منظومة استباقية تبدأ قبل موجات الطقس المتطرف بنحو 72 ساعة، من خلال تفعيل الإنذار المبكر وإرسال تحذيرات مباشرة للمواطنين، وتكثيف أعمال تطهير شبكات تصريف مياه الأمطار، ورفع درجة الاستعداد فى قطاعات الصحة والكهرباء والمياه والصرف الصحى.
وأضاف أن مرحلة التعامل مع النوة نفسها يجب أن تتضمن إجراءات سريعة تشمل غلق الشواطئ والكورنيش عند وجود خطر، وتوزيع فرق الطوارئ فى المناطق الأكثر تعرضًا للغرق، مع ضمان سرعة التدخل فى حالات انقطاع الخدمات أو تعرض البنية الأساسية للأضرار.
وأكد أن الحل طويل المدى يتطلب استكمال مشروعات حماية الشواطئ، وتطوير شبكات تصريف مياه الأمطار، وتحديث خرائط المخاطر بصورة دورية لتحديد المناطق الأكثر عرضة للغرق مستقبلًا، إلى جانب رفع وعى المواطنين ووضع خطط واضحة للإخلاء والتعامل مع حالات الطوارئ.
واختتم «عزيز» حديثه بالتأكيد على أن التقلبات الجوية لم تعد ظاهرة استثنائية يمكن التعامل معها فقط وقت حدوثها، وإنما أصبحت تحديًا مستمرًا يتطلب استثمارات فى البنية التحتية والإنذار المبكر والتخطيط العمرانى والوعى المجتمعى، مشددًا على أن «الإسكندرية تحتاج إلى أن تُدار باعتبارها مدينة ساحلية معرضة للمخاطر المناخية، وليس كمدينة عادية».
مشروعات حماية السواحل
من ناحية أخرى أكد الخبير السياحى الدكتور أحمد عامر، أن قرار غلق شواطئ الإسكندرية فى هذا الوقت من العام يفرض تأثيرًا سلبيًا على الأيام الأخيرة من موسم السياحة الشاطئية، باعتبار أن هذه الفترة تمثل فرصة مهمة للأسر للاستمتاع بالمصايف قبل انتهاء الإجازة الصيفية وبدء العام الدراسى، لافتًا إلى أن اعتدال الأجواء خلال هذه الفترة عادة ما يشجع على زيادة الإقبال على الشواطئ.
وأوضح الخبير السياحى أن التأثير الاقتصادى للإغلاق لن يكون كبيرًا حال اقتصاره على فترة زمنية قصيرة، خاصة أن ما تشهده الإسكندرية فى هذا التوقيت يرتبط بما يُعرف محليًا بين الصيادين وأهالى البحر بـ«ملتم أغسطس»، وهى فترة تتسم عادة بهياج البحر وارتفاع الأمواج بصورة ملحوظة، ما يستدعى اتخاذ إجراءات احترازية لحماية المصطافين.
وأكد أن قرارات إغلاق الشواطئ المفتوحة تأتى فى كثير من الأحيان كإجراء اضطرارى تفرضه اعتبارات السلامة، ولا ترتبط فقط بارتفاع الأمواج، وإنما كذلك بوجود تيارات سحب داخل البحر قد تشكل خطرًا مباشرًا على المصطافين، مشددًا على أن حماية الأرواح تظل الأولوية الأولى فى مثل هذه الظروف.
وأضاف عامر أن تكرار إغلاق الشواطئ، أياً كان سببه، يترك تداعيات اقتصادية واضحة، تبدأ من إلغاء الحجوزات وتمتد إلى تراجع مبيعات الأنشطة الشاطئية والمائية، وانخفاض أعداد رواد المطاعم والكافيهات المطلة على البحر، فضلًا عن تأثر العاملين فى الرحلات البحرية وتأجير المعدات والخدمات المرتبطة بالنشاط الساحلى.
ولفت إلى أن الضرر لا يقتصر على أصحاب المنشآت السياحية وحدهم، وإنما يمتد إلى شريحة واسعة من العاملين والأنشطة المرتبطة بالموسم الشاطئى، خاصة أن المدن الساحلية تعتمد على تداخل مجموعة من الأنشطة الاقتصادية التى تتحرك بالتوازى مع حركة المصطافين.
وفى المقابل، أوضح الخبير الأثرى والسياحى أن الدولة تعمل على تعزيز حماية السواحل المصرية من تداعيات التغيرات المناخية، من خلال تنفيذ عدد من المشروعات الحيوية الهادفة إلى الحد من مخاطر التآكل الساحلى واستعادة الشواطئ المتضررة منها: إنشاء حاجزين غاطسين بطول 1100 متر و500 متر، بهدف حماية الشاطئ واستعادة المناطق الرملية التى تعرضت للتآكل، إلى جانب العمل على المرحلة الثانية من المشروع بطول 600 متر، والتى تشمل حاجز أمواج ورأسًا بحرية لحماية سور وطريق الكورنيش بمنطقة لوران، بما يسهم فى الحد من التآكل الساحلى وإعادة الشاطئ الرملى إلى وضعه الطبيعى.
وأوضح أن مواجهة هذه المخاطر لم تعد تعتمد على الحلول الهندسية التقليدية فقط، وإنما تتجه إلى دمج الحلول الهندسية المتقدمة مع الحلول القائمة على الطبيعة، من خلال إنشاء الحواجز البحرية وزراعة الغطاء النباتى الساحلى، بما يساعد على امتصاص جزء من الطاقة الموجية والحد من التأثيرات السلبية على الشواطئ.
وشدد عامر على أهمية استمرار الدولة فى تنفيذ مشروعات حماية السواحل وفق المعايير العلمية والفنية الدقيقة، بما يضمن كفاءة هذه المشروعات واستدامتها على المدى الطويل، ويحافظ على الموارد المائية والمناطق الساحلية، ويعزز قدرة المدن الساحلية المصرية على مواجهة المخاطر المناخية المتزايدة.
آثار اقتصادية
التقلب
من الناحية الاقتصادية أكد الخبير الاقتصاى، السيد خضر، أن التأثيرات الاقتصادية للتقلبات المناخية وقرارات إغلاق الشواطئ ملف يستحق مزيدًا من الدراسة، خاصة فى ظل اتساع حجم النشاط السياحى والساحلى فى مصر، مشيرًا إلى أن تداعيات الإغلاق لا تتوقف عند خسائر الشاطئ أو المنشأة السياحية بشكل مباشر، وإنما تمتد إلى سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
وأوضح الخبير الاقتصادى، أن مصر استقبلت نحو 19 مليون سائح خلال عام 2025، فيما تجاوز إجمالى الطاقة الفندقية 222 ألف غرفة بنهاية مارس 2026، وهو ما يعكس ضخامة الاستثمارات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع السياحى، خاصة فى المدن الساحلية. وبالتالى فإن تكرار اضطرابات الطقس خلال مواسم الذروة يمكن أن ينعكس على معدلات الاشغال وحجم الإنفاق، فضلًا عن حركة المطاعم والكافيهات ووسائل النقل والأنشطة الترفيهية والبحرية.
وأضاف أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن إغلاق الشواطئ لا ينبغى قياسها فقط بعدد أيام الإغلاق، وإنما بحجم النشاط والإنفاق الذى كان متوقعًا خلال تلك الفترة، موضحًا أن توقف الأنشطة البحرية ليوم واحد يعنى انخفاض الإيرادات بالنسبة لعدد كبير من العاملين وأصحاب المشروعات الصغيرة ومقدمى الخدمات، سواء فى تأجير المعدات أو الرحلات البحرية أو المطاعم والكافيهات أو وسائل النقل.
وأشار إلى أن ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الشاطئ» يمثل منظومة متكاملة تتداخل فيها السياحة والإقامة والنقل والمطاعم والتجارة والأنشطة الترفيهية، وبالتالى فإن تكرار الظواهر الجوية المتطرفة قد يؤدى إلى ارتفاع تكاليف التشغيل وزيادة المخاطر أمام المستثمرين، خاصة المشروعات التى تعتمد بصورة كبيرة على النشاط البحرى والموسم الصيفى.
وأكد «خضر» أن قرارات إغلاق الشواطئ تظل فى المقام الأول إجراءات ضرورية لحماية الأرواح والحفاظ على سلامة المواطنين، ولا يمكن النظر إليها من منظور اقتصادى فقط، لكن التحدى الحقيقى يتمثل فى كيفية تقليل التكلفة الاقتصادية لهذه القرارات من خلال الاستعداد المسبق والتخطيط وإدارة المخاطر.
ولفت إلى ضرورة إعداد قاعدة بيانات دقيقة لرصد التأثير الاقتصادى لكل واقعة إغلاق، تشمل عدد أيام التوقف، وحجم الإقبال المتوقع، ومتوسط الإنفاق اليومى، وعدد المنشآت والعاملين المتأثرين، بما يسمح بتقدير الخسائر بصورة علمية ووضع سياسات أكثر كفاءة للتعامل مع تداعيات التغيرات المناخية.
وشدد على أهمية تنويع المنتج السياحى فى المدن الساحلية وعدم الاعتماد الكامل على الشواطئ، من خلال دعم السياحة الثقافية والترفيهية والرياضية والتجارية، بما يضمن استمرار النشاط الاقتصادى حتى خلال فترات اضطراب حالة البحر، ويعزز قدرة الاقتصاد المحلى على امتصاص الصدمات المناخية المتكررة.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض