يا خبر!
بعيدا عن لغة الأرقام فحديث السياسة يقول إن زيارة الرئيس الصينى شى جين بينج للقاهرة تأتى فى وقت بالغ الأهمية من حيث الظرف الإقليمى والدولى، حيث تتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وسط صراعات مفتوحة فى أكثر من موقع، وبكين ذات ثقل داخل مجلس الأمن الدولى يمكن استخدامه فى قضايا الشرق الأوسط، خاصة القضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر والممرات البحرية، كما أن الصين تمنح مصر هامشا سياسياً ودبلوماسياً، أوسع فى النظام الدولى، وتقدم نموذج تعاون أخف قيوداً وأكثر انفتاحاً على نقل التكنولوجيا دون إقحام السياسة فى الاقتصاد، وتدعم قدرة مصر على تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لقوة واحدة، حيث يقوم التعاون الصينى على مبدأ «الكل رابح»، إذ يقدم فرص تعاون ذات مزايا تنافسية إذ تستطيع الشركات الصينية فى كثير من الحالات العمل ضمن منظومة متكاملة تضم التكنولوجيا والتمويل والبنوك والتسهيلات الحكومية، وهى ميزة جذابة تحتاجها القاهرة، التى لم يعد ممكناً أن يعتمد اقتصادها على الغرب فقط،
القاهرة إلى جانب تعاونها مع روسيا والصين اللتين تتسم استثماراتهما بمرونة أكبر وشروط سياسية أقل، تعتمد على تنويع مصادر الاستثمار فى المجال الاقتصادى بين الدول والمؤسسات الغربية التى تضع شروطاً اقتصادية تتعلق بالإصلاح الاقتصادى والسياسات المالية، فلديها برنامج تعاون كبير مع الاتحاد الأوروبى، من المتوقع أن يدعمها بنحو 3,5 مليار دولار خلال العام المالى الجارى لسد فجوتها التمويلية، كما أن علاقاتها مع الولايات المتحدة جيدة، مصر فى قائمة الدول الأقل تأثراً بالرسوم الجمركية عند دخول منتجاتها إلى السوق الأمريكية، كما تتعاون مصر مع الدول الخليجية الأكثر مرونة.
ليس خافيا أن مصر الآن ساحة منافسة بين الولايات المتحدة والصين فى العديد من مجالات الاستثمار، فأهمية مصر للطرفين تتجاوز حجم التجارة والاستثمارات، لتشمل موقعها الاستراتيجى وقناة السويس والبنية التحتية والتكنولوجيا، فضلاً عن دورها فى منح أى منهما منفذاً إلى أسواق إفريقيا وأوروبا.. فيسعى التنين الصينى إلى توثيق صلاته مع القاهرة بوصفها حارس البوابة وشرياناً حيوياً للتجارة العالمية وتتعامل واشنطن مع القاهرة على أنها نقطة ارتكاز مهمة فى الشرق الأوسط، ومن أبرز الأمثلة مشاركة الشركات الصينية فى مشروعات العاصمة الإدارية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وميناء العين السخنة، إلى جانب الاتفاق مع شركة «روساتوم» الروسية لبناء مفاعلات محطة الضبعة النووية.
أما التنافس «المحموم» الآن فهو حول بنية مراكز بيانات الذكاء الاصطناعى، وتتمتع الصين بميزة نسبية فى هذا المجال، إذ بلغت مفاوضاتها مع مصر مرحلة متقدمة بشأن صفقة مركز البيانات الحكومى المصرى، حيث تلقت الحكومة المصرية عرضاً من شركة «هواوى» الصينية، لبناء المراكز، مما حدا بالرئيس دونالد ترامب أن يتدخل شخصيا ويطلب من تحالف شركات أمريكية شهيرة فى هذا المجال تقديم عرض لمصر منافس للعرض الصينى.
هذا التنافس بلا شك يؤدى إلى زيادة قدرة مصر على المناورة، مع الحرص على التوازن حتى لا يتحول التنويع إلى صدام سياسى أو عقوبات أو قيود على الوصول إلى التكنولوجيا الغربية، ومصر تدرك ذلك جيدا فهى على سبيل المثال بالتوازى مع موازنتها للعلاقة بين الصين والولايات المتحدة، تتابع الوجود الصينى والأمريكى فى إثيوبيا والقرن الإفريقى، وسط حالة من التشابكات السياسية والاقتصادية غير المسبوقة فى المنطقة.
التقارب مع الصين سيظل ضرورياً لمصر، دون إثارة حساسية الولايات المتحدة أو الإضرار بالعلاقات الاستراتيجية معها، وهذا يتطلب سياسة توازن تنتج علاقات متوازنة مع مختلف القوى للاستفادة من تعدد الشراكات والحفاظ على هامش أوسع للمناورة، فالوضع الأفضل للقاهرة استخدام الصين للتنويع ونقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، مع العلم أنه لا يمكن استبدال الصين بالولايات المتحدة أو روسيا، وهو ما يعنى تنويع الشراكات دون تغيير المعسكر، فواشنطن تظل مهمة جداً لمصر بسبب التسليح والتدريب والتوافق العملياتى والعلاقات الاستراتيجية، بينما تحتفظ روسيا بأهمية فى بعض منظومات التسليح والطاقة والتعاون العسكرى، وهو ما يعكسه استمرار العلاقات المصرية الروسية العسكرية بما فى ذلك التدريبات البحرية المشتركة، ومع الصين انتقلت العلاقات المصرية الصينية بالفعل إلى مستوى أكبر فى المجال العسكرى والتعاون الدفاعى، من خلال المناورات الجوية المشتركة مثل «نسور الحضارة»، وتوسع التعاون العسكرى، مع وجود مؤشرات معلنة على اهتمام مصرى بمقاتلات صينية متقدمة.
الخلاصة فى رأيى: يجب أن تتعامل مصر مع التنافس الأمريكى الصينى والروسى باعتباره مساحة للمناورة، مع تجنب أن تكون طرفاً فيه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض